تاب وآمن وعمل صالحا يبدّل اللّه شقاوته إلى السّعادة وأمّا القدر في الأزل من السّعادة والشّقاوة لكلّ واحد جامع ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « السّعيد سعيد في بطن أمّه ، والشّقيّ شقيّ في بطن أمّه » « 1 » . فليس لأحد أن يبحث فيه ؛ لأنّه من سرّ القدر ، ولا يجوز أن يحتج أحد بسر القدر .
قال صاحب تفسير البخاريّ : إنّ كثير من الأسرار يعلم ولا يتكلم به كسرّ القدر ، فإنّ إبليس أحال أمره إلى سرّ القدر فلعن بذلك ، وإنّ آدم عليه السّلام أضاف عصيانه إلى نفسه فأفلح ورحم . وفي الرّوايات ناجي بعض العارفين : إلهي أنت قدّرت ، وأنت أردت ، وأنت خلقت المعصية في نفسي ، فهتف به هاتف : يا عبدي هذا من شرط التّوحيد ، فما شرط العبوديّة ؟ فعاد فقال : أنا أخطأت ، وأنا أذنبت ، وأنا ظلمت نفسي ، فعاد الهاتف فقال : أنا غفرت ، وأنا عفوت ، وأنا رحمت .
وقد أوّلوا أنّ المراد من الأمّ في الحديث مجمع العناصر الّذي تتولّد منه قوى البشريّة ، فالتّراب والماء مظهر السّعادة ؛ لأنّهما محييّا ومنبتا العلم والإيمان والتّواضع في القلب . وأمّا النّار والرّيح فالعكس ؛ لأنّهما محرقان ومميتان . فسبحان من جمع بين هذه الأضداد في جسم واحد كما يجمع بين الماء والنّار ، وبين النّور والظّلمة في السّحاب كما قال اللّه تعالى :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ
( 12 ) [ الرعد : الآية 12 ] .
سئل يحيى بن معاذ الرّازيّ : بم عرف اللّه تعالى ؟ فقال : يجمع بين الأضداد .
ولذلك كان الإنسان نسخة أمّ الكتاب ، ومرآة الحقّ جلالا وجمالا ، ومجموعة الكون ، ويسمّى كونا جامعا وعالما كبرى ؛ لأنّ اللّه خلقه بيديه - أي : بصفات القهر واللّطف - لأنّه لا بد للمرآة من الجهتين - يعني : الكثافة واللّطافة - فيكون مظهر الاسم الجامع بخلاف سائر الأشياء ، فإنّها خلقت بيد واحدة - أي : بصفة واحدة - .
أمّا صفة اللّطف فقط كالملائكة ، هم مظهر اسم السّبوح والقدّوس فقط .
وأمّا صفة القهر كإبليس وذريّته وهو مظهر اسم الجبّار ، ولذلك تجبّروا وتكبّروا عن السّجدة لآدم عليه الصّلاة والسّلام .
هامش
( 1 ) رواه مسلم بنحوه ( 2645 ) .