قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » ، وقال اللّه تعالى لنبيّه :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( 107 ) [ الأنبياء : الآية 107 ] ، وقال اللّه تعالى :
. . . قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ
[ المائدة : الآية 15 ] ، وقال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك » « 2 » .
الفصل العاشر في بيان الحجب الظّلمانية والنورانيّة
قال اللّه تعالى :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
( 72 ) [ الإسراء : الآية 72 ] ، والمراد منه عمى القلب كما قال اللّه تعالى :
. . . فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحجّ : الآية 46 ] .
وسبب إعماه ظلمات الحجب والغفلة والنسيان بسبب بعد العهد من ربّه .
وسبب الغفلة : الجهل من حقيقة الأمر الإلهي .
وسبب الجهل : استيلاء الصّفات الظّلمانيّة عليه كالكبر والحقد والحسد والبخل والعجب والغيبة والنّميمة والكذب ونحو ذلك من الذّمائم . وسبب تنزّله إلى أسفل السّافلين هذه الصّفات .
وإزالة هذه الصّفات الذّمائم بتصقيل مرآة القلب بمصقل التّوحيد وبالعلم والعمل والمجاهدة القويّة باطنا وظاهرا ؛ فتحصل حياة القلب بنور الأسماء والصّفات فيذكر وطنه الأصليّ فيشتاق إليه فيرجع ويصل بعناية الرّحمن .
وبعد ارتفاع هذه الحجب الظّلمانيّة تبقى النّورانيّة ، ويصير بصيرا ببصيرة الرّوح ، ومنوّرا بنور الأسماء والصّفات حتّى ترتفع الحجب النّورانيّة تدريجا ؛ فينوّر بنور الذّات .
واعلم أنّ للقلب في الباطن عينين : عين الصّغرى ، وعين الكبرى .
فعين الصّغرى : تشاهد تجلّيات الصّفات بنور الأسماء والصّفات إلى انتهاء عالم الدّرجات .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2745 ) ، ومسلم ( 4 / 2108 ) .
( 2 ) أورده القاري في الأسرار المرفوعة ( 385 ) .