والفاء : وهو الفناء في اللّه - يعني عن غير اللّه تعالى - إذا فنيت الصّفات البشريّة بقيت الصّفات الأحديّة وهي لا تفنى ولا تبغي ولا تزول فبقي العبد الفاني مع الرّبّ الباقي ومرضاته ، وبقي قلب الفاني مع سرّ الباقي ونظره كما قال اللّه تعالى :
. . . كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ . . .
[ القصص : الآية 88 ] يحتمل أن يؤوّل بالرّضاء - أي : إلى ما يوجّه إليه من الأعمال الصّالحة لوجهه ورضائه ، فيبقى المرضيّ مع الرّاضي .
ونتيجة العمل الصّالح حياة حقيقة الإنسان المسمّى بطفل المعاني كما قال اللّه تعالى :
. . . إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ . . .
[ فاطر : الآية 10 ] .
فكلّ عمل يكون لغير اللّه تعالى فيه شركة فهو هالك لعامله ، فإذا تمّ الفناء فيه حصل البقاء في عالم القربة كما قال اللّه تعالى :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
( 55 ) [ القمر : الآية 55 ] وهو مقام الأنبياء والأولياء في عالم اللّاهوت كما قال اللّه تعالى :
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
[ التّوبة : الآية 119 ] .
فالحادث إذا اقترن بالقديم لم يبق له وجود كما قيل بيت : [ الوافر ]
صفات الذّات والأفعال طرّا * قديمات مصونات الزّوال
فإذا تمّ الفناء بقي الصّوفي مع الحقّ أبدا كما قال اللّه تعالى :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
[ البقرة : الآية 82 ] .
الفصل السابع في بيان الأذكار
فقد هدى اللّه الذّاكرين بقوله تعالى :
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
[ البقرة : الآية 198 ] إلى مراتب ذكركم ، وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أفضل ما أقول أنا وما قاله النّبيّون من قبلي لا إله إلّا اللّه » « 1 » .
فلكلّ مقام مرتبة خاصّة ، إمّا جهرا أو خفية ، فالأول هداهم إلى ذكر اللّسان ، ثمّ إلى ذكر النّفس ، ثمّ إلى ذكر القلب ، ثمّ إلى ذكر الرّوح ، ثمّ إلى ذكر السّرّ ، ثمّ إلى ذكر الخفيّ ، ثم إلى ذكر أخفى الخفيّ .
فأمّا ذكر اللّسان : فكأنه بذلك يذكّر القلب ما نسي من ذكر اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 3585 ) ومالك في الموطأ ( 32 ) بنحوه .