حتى التحقوا بالملائكة من حيث الحقيقة ، لكثرة مجاهداتهم ومكابداتهم لأنفسهم ، الأنبياء والمرسلون والأولياء يصبرون ، وأنتم أيضا وافقوهم في الصبر .
( يا غلام ) اصبر لضربة عدوّك ، فعن قريب تضربه وتقتله وتأخذ سلبه ، ثم تأخذ الخلعة من الملك والإقطاع .
( يا غلام ) اجهد أنك لا تؤذي أحدا ، وأن تكون نيتك صالحة لكل أحد ، إلا من أمرك الشرع بأذيته فأذيتك له عبادة . العقلاء النجباء الصدّيقون قد نفخ في صدورهم .
وقد أقاموا القيامة على نفوسهم ، وأعرضوا عن الدنيا بهممهم ، وعبروا الصراط بتصديقهم ، ساروا بقلوبهم حتى وقفوا على باب الجنة ، وقفوا عند الطريق وقالوا : لا نأكل ولا نشرب وحدنا ، لأن الكريم لا يأكل وحده ، فرجعوا إلى الدنيا قهقرى : أي يدعون الناس إلى طاعة اللّه عزّ وجلّ ، ويخبرونهم بما هناك فيسهلون الأمر عليهم . من قوى إيمانهم وتكن في إيقانه رأي بقلبه جميع ما أخبره اللّه عزّ وجلّ به من أمور القيامة ، يرى الجنة والنار وما فيها ، يرى الصور والملك الموكل به ، يرى الأشياء كما هي ، يرى الدنيا وزوالها وانقلاب دول أهلها ، يرى الخلق كأنهم قبور يوشون .
وإذا اجتاز على القبور أحس بما فيه من النعيم والعذاب ، يرى القيامة وما فيها من القيام والموافقة ، يرى رحمة اللّه عزّ وجلّ وعذابه ، يرى الملائكة قياما والأنبياء والمرسلين والأبدال والأولياء على مراتبهم ، يرى أهل الجنة يتزاورون وأهل النار في النار يتعادون ، من صحّ نظره نظر بعين رأسه الخلق ، وبعين قلبه إلى فعل اللّه عزّ وجلّ فيهم ، يرى تحريكه وتسكينه لهم ، فهذا نظر العزة من أولياء اللّه عزّ وجلّ ، من إذا نظر إلى شخص رأى ظاهره بعين رأسه وباطنه بعين قلبه ومولاه عزّ وجلّ بعيني سرّه ، من خدم خدم .
كان إذا جاءه القدر وافقه ، أن حمله إلى البر أو البحر إلى السهل أو الجبل ، أطعمه حلوا أو مرّا ، وافقه في العزّ والذلّ والغنى والفقر والعافية والسقم ، مشى مع القدر حتى إذا علم القدر أنه قد تعب نزل وأركبه مكانه ، وصار ركابا له وخدمه ، وتواضع له لقربه من اللّه عزّ وجلّ وكرامته له ، وكل ذلك لمخالفته لنفسه وهواه وطبعه وعاداته وشيطانه وأقران السوء .
اللهم ارزقنا قدرك في جميع الأحوال .
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية : 201 .