فعرفته ، أحدهم إذا عرف الحق عزّ وجلّ وفرغ من محاربة نفسه وهواه وطبعه وشيطانه وتخلص منهم ومن دنياه وفتح له الحق عزّ وجلّ باب قربه يطلب شغلا يعمله ، فيقال له ارجع وراءك واشتغل بخدمة الحق ودلهم علينا ، اخدموا الطلاب والمريدين لنا ، أنتم غفل عما القوم فيه ، تواصلون الضياء بالظلام في الكدّ على النفوس التي هي عدوتكم ، وترضون أزواجكم بسخط ربكم عزّ وجلّ .
كثير من الخلق يقدمون رضا أزواجهم وأولادهم على رضا الحق عزّ وجلّ ، إنني أرى حركاتك وسكناتك وكلّ همك لنفسك وزوجتك وولدك ، وما عندك من الحق عزّ وجلّ خبر .
( ويحك ) أنت لا تعدّ من الرجال ، الرجل الكامل في رجوليته لا يعمل لأحد سوى الحق عزّ وجلّ ، قد عميت عينا قلبك وتكدر صفاء سرّك ، وقد حجبت عن ربك عزّ وجلّ وما عندك خبر ، ولهذا قال بعضهم سلام اللّه عليهم : ويل للمحجوبين الذين لا يعملون أنهم محجوبون .
( ويحك ) في فتيتك زجاج مكسر وأنت تأكله ولا تعلم به لقوّة شرهك وغلبة شهوتك وهواك وشدّة حرصك . بعد ساعة تقطع معدتك وتهلك ، كل بلائك لبعدك عن مولاك عزّ وجلّ واختيارك لغيره ، لو خبرت الخلق لبغضتهم وأحببت خالقهم . قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
( أخبر تقله ) .
يعني تبغض ، أنت تحبّ وتبغض من غير اختبار ، العقل يختبر ولا عقل لك ، القلب يختبر ولا قلب لك ، القلب يتفكر ويتذكر ويتعظ . قال اللّه تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
« 1 » .
انقلب العقل قلبا ، وانقلب القلب سرّا ، وانقلب السرّ فناء ، وانقلب الفناء وجودا . آدم عليه السلام والأنبياء كانت لهم شهوات ورغبات ، غير أنهم كانوا يخالفون نفوسهم ويطلبون رضا ربهم عزّ وجلّ . آدم عليه السلام اشتهى شهوة واحدة في الجنة ، وزلّ زلة واحدة وهو في الجنة .
ثم تاب ولم يكن له عودة ، وكانت شهوته محمودة ، فإنه طلب أن لا يفارق جوار الحق عزّ وجلّ . والأنبياء عليهم السلام ما زالوا يخالفون نفوسهم وطباعهم وشهواتهم
هامش
( 1 ) سورة ق آية : 37