لا تذهب زمانك بلم وكيف وسوف بل شدّ وسطك ، اعمل لعلك إذا عملت في داره اتخذك قنية ، لعل جارية من جواريه تعشقك فتزوّج بها ، تغير صورتك ويباع زنبيلك وفأسك ، تجعل سائسا أو ملكا نائبا أو وزيرا ، من عرف اللّه لا يستكثر له تلك .
إذا وصلت عليه يشهيك الزهد والترك قبل المعرفة ، قبل أن تصل إلى الملك ، قبل أن تعرف من أنت وما لقبك وما اسمك ، يودّع العبد حظوظه ، ثيابه وقماشه ، داره ، أهله ، أولاده ، جيرانه ، امرأته ، خلانه ، يقدّم رجلا ويؤخر أخرى ، يأتي بخطوتين رجاء وخوف . على ماذا تقدم جاهل بالكلي ؟ فترك الكل جاهلا بما له وعليه .
فإذا ترك الكل يأتي باب الملك يقف مع غلمانه ، مع دوابه ، خائفا راجيا لا يدري ما يراد به ، والملك ناظر إليه وخبره عنده ، يقول للغلمان : آثروه على الكل ثم لا يزال يقلب من شغل إلى شغل حتى يجعل حاجبا بين يديه مفردا بين يديه مطلعا على أسراره بخلعة وطرق ومنطقة وتاج يكاتب أهله :
وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ( 93 )
« 1 » .
بعد أن أشهد الملك على نفسه إني لا أتغير عليك ، يوقع له بصحبة دائمة وولاية ، إذ لا يبقى زهد مع المعرفة ، وهذا من كل ألف ألف واحد ، هذا شيء ينتجه القدر والسابقة والعلم ، لا تكن أنت ممن قال اللّه في حقه :
وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
« 2 » .
المؤمن يقول : ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بخطوتي ؟ ما أردت بأكلتي ؟ محسبا لنفسه مؤدّيا ، لم فعلت لم صنعت ؟ هل يوافق الكتاب والسنة ؟ عليكم باليقين بعد المحاسبة فإنه لبّ الإيمان ، ما أدّيت الفرائض إلا باليقين ، ما زهد في الدنيا إلا باليقين ، عند إجابة الدعاء سكون ودعة ، فإن لم تجب دعوتك تعترض .
من علامات الصدّيقين الرجوع على اللّه في كل شيء فإذا أرادوا كتمان أحوالهم رجعوا إلى الخلق في الأخذ والعطاء ، قلوبهم معه وأبدانهم مع خلقه ، يحتاج ابن آدم أن يعمل في هذه الدنيا حتى يغير طبعه ، يجاهد نفسه وشيطانه وهواه حتى ينقل من صفات البهائم إلى الأخلاق الإنسانية : أكفرت بهذا الربّ ؟
هامش
( 1 ) سورة يوسف آية : 93 .
( 2 ) سورة القيامة آية : 2 .