تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
( قال ) داود لابنه سليمان عليهما السلام وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين والأولياء والصالحين : يا بنيّ ما أقبح الخطيئة بعد المسكنة ، وأقبح من ذلك رجل كان عابدا فترك عبادة ربه :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
« 1 » . الحياة الدنيا وجودك والآخرة فناؤك ، للهمم تغير ، وللأسرار تغير ، وللعوام تغير . وللخواص تغير . الدنيا ما تراه ، والأخرى ما يفتح لك ، يأتيك ما لا تعقل فتتحير فيتبين لك ، ما يأتيك بعقل مشترك فهو من الدنيا ، وما يأتيك من حيث العقل الذي هو عقل العقول فهو من الأخرى ، سرّك أخرى وظاهرك دنيا ، حالات الدنيا ما سوى الحق عزّ وجلّ ، والأخرى التعلق بالمولى والإعراض عن قيل وقال ، وعن المدح والثناء والذم والسير مع الهم ، همك ما أهمك . إذا صدقت في إرادتك أخذ الحق عزّ وجلّ بيدك ، مشاك في صحبة قدره وكان وسع ما بين خطوتيك أوسع من خطوات آدم عليه الصلاة والسلام لصدق إرادتك وحسن أدبك وتطارشك عن قول جيرانك . تبا لك جاهلا جهل الحق وما عنده من فضله وما عنده من عباده ، سمعوا فأطاعوا ، يرى العبد أقسامه في اللوح المحفوظ ثم يتعدّى إلى رؤية أقسام أهله وأولاده ، حتى إذا تعجب نودي في باطنه :
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ
« 2 » ،
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 )
« 3 » . هذا شيء يجيء بالسابقة ، ثم يصفو بمتابعة أقدام المشايخ . وكان رضي اللّه عنه في سماعه ووجده أتته رقعة فيها مسئلة فقيهة فقال : حتى استأذن في الكلام وأخاطر ، ثم قال : النكاح هل هو واجب أم لا ؟ وهذه مسئلة فيها خلاف ، منهم من قال : هو سنة ، ومنهم من قال : الاشتغال بالعبادة إذا لم تتق نفسه أولى عند الشافعي وأحمد ، وعند أبي حنيفة الاشتغال بالنكاح أفضل . أنت متى كنت مريدا فالاشتغال بعبادتك أفضل ، وإن كنت مرادا فلا تدبير لك في
هامش
( 1 ) سورة التوبة آية : 38 . ( 2 ) سورة الزخرف آية : 59 . ( 3 ) سورة ص آية : 47 .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 345 | عبد القادر الجيلاني