تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧

المجلس السادس والعشرون [ في عدم الشكوى إلى الخلق ]

وقال رضي اللّه عنه بالرباط عشرين ذي الحجة سنة خمس وأربعين وخمسمائة : عن النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال : ( من كنوز العرش كتمان المصائب ) . يا من يشكو إلى الخلق مصائبه ، إيش ينفعك شكواك إلى الخلق ؟ لا ينفعونك ولا يضرونك . وإذا اعتمدت عليهم وأشركت في باب الحق عزّ وجلّ يبعدونك ، وفي سخطه يوقعونك ، وعنه يحجبونك ، أنت يا جاهل تدّعى العلم ، من جملة جهلك طلبك الدنيا من غير ربها عزّ وجلّ ، تطلب الخلاص من الشدائد بشكواك إلى الخلق . ( ويحك ) إذا كان هذا الكلب الشره يتعلم حفظ الصيد ويترك شرهه وطبعه ، وهذا الطائر أيضا بالتعليم يخالف طبعه ويترك ما كان عليه من أكل الصيود التي تجعل له ، فنفسك أولى بالتعليم ، علّمها وفهمها حتى لا تأكل دينك وتمزقك وتخون في أمانات الحق عزّ وجلّ المودعة عندها . دين المؤمن عنده لحمه ودمه ، لا تصحبها قبل تعليمك لها ، إذا تعلمت وفهمت واطمأنت حينئذ استصحبها أينما توجهت ، لا تفارقها في جميع الأحوال ، إذا اطمأنت صارت حليمة عالمه راضيه بما يأتيها القدر به من الأقسام ، لا تفرّق بين لبّ الحنطة وخبز الشعير ، ترتفع فيما للحظوظ تصير ، لأن لا تأكل أحبّ إليها من أن تأكل ، مساعدة لك على فعل الخير والطاعة والايثار ، ينتقل طبعها ، تصير سخية كريمة زاهدة في الدنيا راغبة في الآخرة ، ثم إذا زهدت في الآخرة وطلبت المولى طلبته معك وسارت مع قلبك إلى بابه . فحينئذ تجيئها السابقة تقول : كل يا من لم يأكل ، واشرب يا من لم يشرب . المريض العاقل لا يأكل إلا من يد الطبيب ، أو بأمره مع دوام أدبه والقبول منه ، وترك الشره في حضوره وغيبته ، يا شره يا مستعجل ، طعام قد خلق لك ، من يقدر يأكله غيرك ، لباس ومسكن ومركوب ومنكوح قد خلق لك ، من يقدر يتناوله ويلبسه غيرك .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 117 | عبد القادر الجيلاني