الكلام ، فإن الحق عزّ وجلّ إذا أرادك لأمر له ، إذا شاء أنشرك وأهلك وأثبتك ، يكون هو المظهر لا أنت ، سلم نفسك وكلامك وجميع أحوالك إلى قدره واشتغل بالعمل له . كن عملا بلا كلام ، إخلاصا بلا رياء ، توحيدا بلا شرك ، خملا بلا ذكر ، خلوة بلا جلوة ، باطنا بلا ظاهر ، واشتغل بالباطن بإبطال النية . أنت تخاطب الحق عزّ وجلّ وتشير إليه بقولك :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 )
« 1 » .
هذا خطاب لحاضر إياك عندي ، يا عالما بي قريبا مني ، يا ذاهدا عليّ ، خاطبوه في صلاتكم وغيرها بهذه النية على هذه الصفة ، ولهذا قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم .
( اعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) .
( يا غلام ) صفّ قلبك بأكل الحلال وقد عرفت ربك عزّ وجلّ ، صفّ لقمتك وخرقتك وقلبك وقد صرت صافيا ، التصوّف مشتق من الصفاء يا من لبس الصوف ، الصوفي الصادق في تصوّفه يصفو قلبه عما سوى مولاه عزّ وجلّ ، وهذا شيء لا يجيء بتغيير الخرق وتصفير الوجوه وجمع الأكتاف ولقلقة اللسان بحكايات الصالحين وتحريك الأصابع بالتسليح والتهليل .
وإنما يجيء بالصدق في طلب الحق عزّ وجلّ ، والزهد في الدنيا ، وغخراج الخلق من القلب ، وتجرّده عما سوى مولاه عزّ وجلّ .
عن بعضهم رحمة اللّه عليه أنه قال : قلت في بعض الليالي : إلهي لا تمنعني ما ينفعني ولا يضرّك ، وكرّرت ذلك ثم نمت ، فرأيت في المنام كأن قائلا يقول لي : وأنت أيضا لا تمتنع من عمل ما ينفعك ، وامتنع من عمل ما يضرّك ، صححوا أنسابكم من نبيكم صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، من صحت تبعيته له فقد صح نسبه ، وأما بقولك أنا من أمته من غير متابعة لا ينفعك ، إذا اتبعتموه في أقواله وأفعاله كنتم معه في صحبته في دار الآخرة ، أما سمعتم قوله عزّ وجلّ :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الفاتحة آية : 5
( 2 ) سورة الحشر آية : 7