حتى يخلصك من أيدي أعدائك ، وينجيك من لجة بحر هلاكك ، تفكر في عاقبة ما أنت في وقد سهل عليك تركه ، أنت مستظلّ بشجرة الغفلة ، اخرج من ظلها وقد رأيت ضوء الشمس وعرفت الطريق ، شجرة الغفلة تربى بماء الجهل ، وشجرة اليقظة والمعرفة تربى بماء الفكر ، وشجرة التوبة تربى بماء الندامة ، وشجرة المحبة تربى بماء الموافقة .
( يا غلام ) قد كان لك بعض العذر وأنت صبيّ وشاب إلى الآن ، قد قاربت الأربعن أو قد جاوزتها وأنت تلعب بما يلعب الصغار ، احذر من مخالطة الجهال والخلوة بالنساء والصبيان .
اصحب الشيوخ المتقين ، واهرب من الشباب الجاهلين ، قم ناحية عن القوم ، فمن جاء منهم إليك فكن به كالطبيب لهم ، كن للخلق كالأب الشفيق على أولاده ، أكثر من طاعة اللّه عزّ وجلّ ، فإن طاعته ذكره .
عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :
( من أطاع اللّه عزّ وجلّ فقد ذكره وإن قلت صلاته وصيامه وقراءته القرآن ، ومن عصاه فقد نسيه وإن كثرت صلاته وصيامه وقراءته القرآن ) .
المؤمن مطيع لربه عزّ وجلّ موافق له ، صابر معه ، يقف عند حظوظه وكلمه وأكله ولبسه وجميع تصرفاته . والمنافق لا يبالي بهذه الأشياء في جميع أحواله .
( يا غلام ) تفكر في أمرك وحاقق نفسك ما ليس فيك ، ما أنت صادق ولا صديق ، ولا محب ولا موافق ، ولا راض ولا عارف ، قد ادّعيت المعرفة باللّه عزّ وجلّ ، قل لي ما علامة معرفته ؟
إيش ترى في قلبك من الحكم والأنوار ؟ ما علامة أولياء اللّه عزّ وجلّ وأبدال أنبيائه ، تظن أن كل من ادّغى شيئا سلم إليه ولا يطالب بالبينة ؟ ولا يحك ديناره على المحك ؟ من جملة صفات العارف اللّه عزّ وجلّ أنه يصبر على الآفات ، بجميع أقضية اللّه عزّ وجلّ وأقداره في جميع الأحوال ، في نفسه وأهله وسائر الخلق .
( يا غلام ) حبّ الحق عزّ وجلّ وحبّ غيره لا يجتمعان في قلب واحد ، قال اللّه عزّ وجلّ :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب آية : 4