وقال : ( أوّل بدايات أهل المعرفة تحقيق خواطر القلوب ، وعوارض الأسرار ، ومطالبة خفيّ الحظّ ؛ بمعرفة خفاء السرّ ، وغلبة غيرة الوجود ، حتّى تكون المعرفة محيطة بالجميع ) .
أقول : التحقيق بيان الحقيقة ، والخاطر ما يخطر بالقلب ، وقد يطلق على القلب ، والسرّ في الأصل بمعنى الخفيّ ، قال سبحانه :
يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
[ طه : الآية 7 ] ، ويطلق تارة على القلب ، وهو المراد في هذا الموضع ، وتارة على ما فيه من المعاني ، والخفاء مصدر بمعنى الخفيّ هنا ، وحتى بمعنى كي .
وللمعرفة بدايات وهي معرفة أفعال المخلوقات ، ونهايات وهي معرفة الذات والصفات الأزلية ، والشيخ - رحمة اللّه عليه - جعل أوّل البدايات تحقيق أمور ثلاثة ، وهي :
1 - خواطر القلوب .
2 - وعوارض الأسرار .
3 - ومطالبة الحظّ الخفيّ بأحد أمرين :
أ - معرفة خفيّات أحوال القلب .
ب - وغلبة غيرة الوجود ، بمعنى الوجد .
فالنظر في مطلبين :
1 - تحقيق الأمور الثلاثة .
2 - وكونه أوّل بدايات أهل المعرفة .
أمّا تحقيق الخواطر ، فمعرفة مصادرها ، وهي أربعة ؛ لأنّ صدور الخاطر ، إمّا من الحقّ وآيته نفي الحظّ ، أو من النفس وآيته طلب الحظّ ، أو من الملك وعلامته الحثّ على الطاعة ، أو من الشيطان وعلامته الحثّ على المعصية ، وما جاء في الحديث : « ألا ذكرا للمّتين ؛ لمّة الشيطان ، ولمّة الملك » « 1 » ؛ لأنّ بين
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في سننه بلفظ : « إن للشيطان لمّة بابن آدم وللملك لمّة ، فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه