خواطر الحقّ ولمّة الملك موافقة ، كما بين خاطر النفس ولمّة الشيطان ؛ فخاطر الحقّ والملك يرى الأشياء بحقائقها ، وخاطر النفس والشيطان يسوّل الباطل في صورة الحقّ .
وأمّا تحقيق عوارض الأسرار ، أي ما يعرض للقلوب سوى الخواطر من القبض ، والبسط ، والخوف ، والرجاء ، والهيبة ، والأنس ، وغيرها من الأحوال ، فبمعرفة أسباب عروضها ، وكونها مثوبة أو عقوبة ، وإن غلبته كلّ منها يرى الأشياء بلونها .
وأمّا تحقيق مطالبة الحظّ الخفيّ في معرفة خفيات أحوال القلب ، وغلبة غيرة الوجد على محض الحقّ ، أن لا يشوبه طلب حظّ ، فيكون الوجد غير صحيح .
وأمّا كون هذا التحقيق أوّل بدايات أهل المعرفة ؛ فلأنّ بداياتهم معرفة الأشياء المخلوقة ، وصحتها مبنية على تحقيق الخواطر والعوارض ، وتخليصها من طلب الحظّ ، فالإحاطة بجميع المعارف لا يمكن إلّا بعد هذا التحقيق ، ولذلك علّلها به في قوله : ( حتى تكون المعرفة محيطة بالجميع ) .
بيان الإلهام والفراسة
قال : ( معرفة الإلهام بعلم الإلهام ) .
أقول : الإلهام أن يقذف اللّه تعالى بالحقّ في قلوب أوليائه كما قال سبحانه :
إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ
[ سبأ : الآية 48 ] ، وحقيقة الإلهام لا تعرف إلّا بعلم الإلهام .
وقال : ( من عرف الإلهام من الوسوسة ، واللّمة من الهاجس ، صحّت له الفراسة ) .
هامش
- من اللّه فليحمد اللّه ، ومن وجد الأخرى فليتعوّذ باللّه من الشيطان الرجيم ، ثم قرأالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ[ البقرة : الآية 268 ] » . ( باب ومن سورة البقرة ، حديث رقم ( 2988 ) [ 5 / 219 ] ورواه أبو يعلى في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود ، حديث رقم ( 4999 ) [ 8 / 417 ] ورواه غيرهما .