علم اللّه تعالى ، والمكاشف بعلم اللّه عزّ وجلّ يرى علوم الكلّ بأسرها في جنبه أقل وأحقر من قطرة في جنب البحر المحيط ، فكيف حصاة منه ؟ ! فعلامة كمال علم هذا الكشف رؤية الجهل من علمه .
قال : ( من عرف الغيرة من الحسد ، وذكر النّعمة من التزكية ، والإخلاص من الغيرة ، فهو عارف ) .
أقول : حكم على من فرّق بين المتشابهين في ثلاثة مواضع ؛ بأنّه عارف :
أحدها : الفرق بين الغيرة والحسد ، فإنّهما متشابهان في أنّ كلّا من الغيور والحسود يريد بعد الغير عن محبوبه ، والفرق بينهما أنّ الغيور يريد تقديسا لجناب المحبوب ، كحسد الملك على آدم ، والحسود يريد تفرّدا بالحظّ عن المحبوب ، كحسد إبليس على آدم عليه السّلام .
وثانيها : الفرق بين ذكر النعمة والتزكية ، فإنّهما يشتركان في إظهار جميل النفس ونفي قبحها ، ويفترقان في أنّ ذكر النعمة تعظيم للمنعم تعالى ذكره ، والتزكية تعظيم لنفس المزكّي ، قال اللّه تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
[ النّجم : الآية 32 ] ، وقال :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
( 11 ) [ الضّحى : الآية 11 ] .
وثالثها : الفرق بين الإخلاص والعزّة والكبر ؛ كما في قوله تعالى :
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ
( 2 ) [ ص : الآية 2 ] ، فإنّهما يشتركان في عدم المبالاة بالناس وبطرهم ، ويفترقان في أنّ المخلص لا يبالي بهم ؛ تحقيقا لإخلاصه ، وصاحب العزّة لا يبالي بهم ، تكبّرا عليهم .
قال : ( من عرف رجوعه إلى الحقّ ، لا يضرّه الوسواس ) .
أقول : أراد بالرّجوع اللّياذ والعياذ باللّه من شرّ الشيطان ، والوسواس الشيطان ،
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
( 6 ) [ النّاس : الآيتان 5 ، 6 ] ، وحقيقة العياذ الذي تدفع معرفته من الوسواس ، التبرّي من الحول والقوّة لنفسه ، وإثباتها للّه سبحانه ؛ فإنّ الحوقلة مطردة للشيطان .