الهاء في ( عرّفه ) مشدّدة ، عائدة إلى ( من ) الثانية والثالثة ، وكذا في ( اختبره ) و ( حبسه ) .
وأمّا في ( فطرته ) و ( بليّته ) و ( عزّته ) و ( غيرته ) فعائدة إلى اللّه ، وكذا الضمير المستكنّ في ( اختبر ) و ( حبس ) و ( فطرته ) و ( عزّته ) مرفوعان على الفاعلية ، والتقدير من عرف الحقّ بمعرفة نفسه ، استقبله اللّه في طريق معرفته إيّاه ، ومن جعله صنع الحقّ عارفا به ، ابتلاه بشدائد بلائه ، ومن جعلته عزّته عارفا به ، حبسه بزاجر غيرته .
جعل دليل معرفة اللّه أحد أمور ثلاثة : معرفة نفس العارف ، وبفطرة اللّه ، وعزّته .
وجعل معرفة النفس أوّل دليل ، حيث حكم باستقبال اللّه عزّ وجلّ من عرفه بها ، وعنى باستقبال اللّه إيّاه تقصير وتيسير طريق الوصول عليه ؛ وذلك لأنّ من عرّفه اللّه تعالى بأنّ العارف عين المعروف ، وجد اللّه سبحانه في نفسه ، فكأنّه استقبله ، وقصّر عليه الطريق .
ومن عرفه بخلقه وصنعه ، بل لا يجده حاضرا في نفسه ، بل غائبا عنها ، فيكدّه طلبه ، ويمتحنه بالبليّات الشّداد ، والأعمال الشاقّة .
ومن عرفه بعزّته ، وعلم أنّ الحادث ليس له أن يحوم حول الحيّ القديم ، أوقفته زواجر غيرة اللّه عن الإقدام على طلب معرفته ؛ لأنّ اللّه تعالى غيور ، ومن غيرته أن لا يطرق إلى حضرة عزّته ، إلّا من يشاء من عباده المخلصين .
وقال : ( أهل العقول أهل الدرجات ، وأهل العلوم أهل الفضائل والحسنات ، وأهل المعرفة أهل الحرمة والكرامات ) .
أقول : الحرمة بمعنى الاحتشام والتعظيم ، والكرامات مواهب إلهيّة ، والعقل قوة غريزية يتهيّأ بها الإنسان لإدراك العلوم الكلّية ، والعلم فضيلة في النفس ، يدلّ على اكتساب الحسنات من الأعمال الصالحة والمثوبات عليها ؛ لأنّ اللّه تعالى سمّاها حسنات في قوله :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها