أقول : عدل من العدالة ؛ أي التسوية بالحقّ ، والاستسلام الانقياد ؛ يعني :
من اعتقد أنّ العارف غير المعروف ، وادّعى المعرفة لنفسه ، فهو جاهل بحقيقة الأمر ، ومن وحّد العارف والمعروف ، فهو عادل في حكمه ، ومن انقاد لحكم الحقّ في الأمرين ؛ أي في ادّعاء المعرفة لنفسه ، وهو حكم المعرفة ، فهو عاقل ؛ لأنّ حكم العلم بالتفرقة وظيفة الظاهر ، وحكم المعرفة بالتوحيد وظيفة الباطن ، والعاقل ينقاد للحكمين ، ومن ناب إلى أحد الطرفين ، فهو مائل عن الصراط المستقيم .
وقال : ( من وجد نفسه في معرفته ، عاد وجوده في وقته جهلا في معرفته ) .
أقول : الوجود بمعنى الوجدان ، وفي هذا القول تصريح بما فسّرنا به قوله : « من ادّعى المعرفة جهل » يعني : من وجد في معرفة نفسه ، صار هذا الوجد في حاله ووقته جهلا في معرفته .
وقال : ( الخروج إلى الجهل جحود ، والرّجوع إلى الجهل معرفة ) .
أقول : الإنسان في مبدأ أمره يكون في الجهل ، ثمّ يخرج منه إلى العلم ، ثمّ يرجع إلى الجهل ، وهو غاية العلم ونهايته ؛ لأنّ العالم باللّه إذا بلغ أقصى غاية علمه ، علم أنّ اللّه تعالى فوق الإدراكات ، وأنّ نور العلم يتلاشى من أشعة عظمته وكبريائه ، والخارج من الجهل الأصلي :
إمّا أن يعمل بمقتضى العلم ، من الإقرار بربّه والطاعة ، وهو المؤمن المسلم ، الخارج من الجهل إلى العلم .
أو لا يعمل به ، وهو الجاحد ، الخارج من الجهل إلى الجهل ؛ لأنّ جحوده مع العلم جهل أقبح من الجهل الأوّل ؛ فلذلك قال : ( الخروج إلى الجهل جحود ) ، والجهل المرجوع إليه في نهاية العلم هو غاية العلم ، فلذلك قال : ( والرجوع إلى الجهل معرفة ) ، فالجهل على ثلاثة أضرب :
1 - جهل لعدم العلم ، وهو ذميم .
2 - جهل لعدم العمل بالعلم ، وهو أذمّ ، ولهذا نفى اللّه تعالى العلم عن طائفة لم يعملوا بعلمهم ، في قوله سبحانه :
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي