وقال : ( الناس في هذا الأمر على ضربين : مريد حافظ ، ومراد محفوظ ، فالمريد طالب مبين ، والمراد مطلوب مصون ، والمريد عمل فوجد ، والمراد وجد فعمل ) .
أقول : أي أهل الوصول اثنان : مريد ، ومراد ؛ فالمريد حافظ لحاله طالب مبين ، أي ظاهر الطلب لأنّه مطلوب باطنا ، والمراد محفوظ عن المخالفات ، مطلوب بالموافقات ، مصون عن الحركات ، أي سبق وجده عمله ، وكشفه اجتهاده ، والمريد بالعكس ، فسبق عمله وجده ، واجتهاده كشفه .
وقال : ( الناس ثلاثة : عارف ، وعامل ، ومريد . فأمّا العارف فهو لربّه دون حظّه ، وأمّا العالم فهو لعلمه مع حظّه ، وأمّا المريد فهو لمراده برؤية حظّه ) .
أقول : حاصل هذا الكلام ، أنّ قيام كلّ محبّ بمن أحبّه لذاته ، فمن أحبّ ربّه لذاته فهو به قائم ، وله دائم ، ومن أحبّه لعطائه ، فإن أحبّه لعلمه فهو لعلمه ، وإن أحبّه لمراده فهو لمراده ، دنيويّا كان أو أخرويّا .
ومحبّة الذات تتحقّق بعد مشاهدتها ، والمشاهدة وصف العارف ، وهو لا يحبّ ربّه لنفسه ، بل يريد نفسه لربّه ، فلا يريد منه حظّ النفس . وأمّا العالم الذي يحبّه لنيل العلم منه ، فهو لعلمه مع حظّه ، وكذا المريد لمراده مع شهود حظّه .
بيان التكلّم
قال : ( من تكلّم باللّه في الدقائق ، لم يتبعها بالحقائق ، ولم يترك العوائق والعلائق ، فهو قرين الشيطان ، يلقّنه الحكمة للافتتان ) .
أقول : أراد بالحقائق علامات صدق التكلّم بالحقّ ، فإنّ لكلّ حقّ حقيقة يعرف بها ؛ كما قال الرسول صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم لحارثة ، إذ سأله بقوله صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم : « كيف أصبحت يا حارثة » ؟
فأجاب : أصبحت مؤمنا حقّا .
فقال صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم : « إنّ لكلّ حقّ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك » ، أي علائم حقّيته .