بل إن رؤية القشيري للموضوع تسبق ذلك بخطوات . . استمع مثلا إلى تفسيره لقوله تعالى :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
( الأعراف : 102 )
( شكا من أكثرهم لأقلهم ، فالأكثرون من « * » ردتهم « * * » القسمة والأقلون من قبلتهم الوصلة ) « 2 » .
وتشتد الصراحة والوضوح في كشف الحقيقة عند قوله تعالى مخاطبا نبيه :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
( الأنعام : 116 ) ويفسرها الشيخ هكذا : ( أهل الله قليلون عددا وإن كانوا كثيرين وزنا وخطرا ، وأما الأعداء ففيهم كثرة ) .
فإذا كان ذلك على المستوى العام ، أي بالنسبة للكافة ، فإنه صحيح أيضا بالنسبة للمجتمع الخاص من الصوفية ، يدخل الطريقة أعداد وأعداد . . ثم يخرجون بعد حين ، ولا يبقى إلا أقل القليل « لأن الشكل بالشكل أليق » « 3 » ولأن « المؤمن للأجانب مجانب وللأقارب مقارب - وكما قيل - طير السماء على ألافها تقع » « 4 » .
فالانسجام المزاجى الروحي عزيز . . ولا بد لقيام أي ( تجمع ) من الانسجام بين أفراده . . وهنا العبرة بالقيمة لا بالكم . فكأن الشيخ في النهاية يشير على القوم بهذه النصيحة : لا تفرحوا ( بالكثرة ) في عموم الأحوال ، وأفرزوا وغربلوا . . وليخرج من بينكم من يخرج . . غير مأسوف عليه فربما كان جرثومة في بدن ( مجتمعكم ) تماما كما يخرج الشاذ من القاعدة المطردة في نحو الظاهر في حالة جمع التكسير .
هامش
( 2 ) اللطائف ج 2 ص 554 .
( * ) بفتح الميم .
( * * ) بفتح الراء وتشديد الدال المفتوحة .
( 3 ) اللطائف ج 1 ص 245 .
( 4 ) اللطائف ج 1 ص 641 .