أنه ثر السلامة ( القلبية ) على السلامة ( اللغوية ) ، وبكلمات أخرى أرجع النسبة إلى ( الباطن ) ولم يحفل ( بالظاهر ) ، ووجد خيرا أن ينتسب المرء إلى ( معان ) داخلية ونوايا خفية لا يعلمها إلا علام الغيوب بدلا من ( ثياب ) يراعى في انتقائها تعريف الناس به ، ولفت أنظارهم إليه ، فالعبرة بالسر لا بالعلن .
وكما يتضح معنى « كم » التي هي لفظ واحد في « الخبر والاستفهام » بالسياق وبالإعراب يتضح ( جوهر ) كل متشاركين في مظهر واحد عند العمل والممارسة ، فهذا - في نظر الشيخ - هو المحك الحقيقي لإظهار معادن الرجال .
وما ينطبق على هذه الحال ينطبق على كل ما يحفل به الطريق من سلوك يتصل بالظاهر والباطن ، فالتسمية بعابد أو سالك أو مريد . . أو عارف لا يترتب عليها بالضرورة تساوى الأفراد الذين يتسمون بها في درجات الوصول ولا في غاياته . . ولذا فإن منهم من يتوقف ويرتد ، ومنهم من يستمر ويتعثر . . ومنهم من يصل ثم يتصل . . والمثل على ذلك كما يذكره في المتن : « الزاهد في صورة الواجد . . لكن هذا قصده من الحق عطاؤه ، وهذا موجب استقلاله نقاؤه » .
فكلاهما يأخذ سمت الواجد . . ولكن بالبحث وبالتجربة وبمرور الوقت يتضح أن أحدهما يعبد الله ، وقد يقطع مراحل من الطريق لا بأس بها . .
ثم يظهر فيما بعد أن ذلك لأغراض وأغراض ( وعطاء ) في الدنيا أو في الآخرة ، على حين أن الآخر لا تهمه هذه الأمور لأنه يريد وجه الله المحبوب فقط بكل ( نقاء ) القلب والروح والسر ، وفي هذا المعنى أنشدوا :
كلهم يعبدون من خوف نار * ويرون النجاة حظا جزيلا
ليس لي في الجنان والنار رأى * أنا لا أبتغي بحبي بديلا « 1 »
هامش
( 1 ) صفة الصفوة ج 4 ص 295 .