تصلح أن تساق مثالا للنثر الفنى عند المتصوفة . . . يقول في « لطائفه » « * » في مواضع مختلفة « إن من وطن النفس على الدنيا وبهجتها غرته بأمانيها ، وخدعته بالأطماع فيها ، وهي تخفى الصاب في شرابها ، والحنظل في عسلها ، تعد ولا تفي بوعودها . وتوفى « * * » آفاتها على خيراتها ، نعمها مشوبة بنقمها ، وبؤسها مصحوب بأنسها ، وبلاؤها في ضمن عطائها ، والمغرور من اغتر بها » .
ولهذا . . فإن أول قدم في القصد إلى اللّه الخروج عن النفس ، ولا يكون قتلها إلا بالتبري عن حولها وقوتها أو شهود شئ منها ، ورد دعاواها إليها ، وتشويش تدبيرها ، وتسليم الأمور إلى الحق - سبحانه - بجملتها ، وانسلاخها عن اختيارها وإرادتها ، وامتحاء آثار البشرية .
وينبغي على العبد إذا ظفر بنفسه ألا يبقى « * * * » في انتفاش شوكها بقية ، فالحية إن بقيت فيها بقية من الحياة فمن وضع إصبعه عليها بثت سمه فيه .
ومن علامات من ماتت نفسه زوال آفاته ، وسقوط شهواته ، وقيامه بحقوق ربه وما فيه رضاه ، وتباعده عما فيه حظوظ نفسه ومناه ، فيعيش مع الحق بالصدق ومع الخلق بحسن الخلق .
أما الغفلة والغيبة فهما متصلتان بالقلب بعد أن يتحرر من رق النفس ، فهو يستيقظ في وطنه الجديد سليما منيبا مستعدا للامتلاء بإرادة المولى ولاستقبال الأنوار . . ولكنه يبقى مهددا على الدوام من جانب عدوه الأصيل « النفس » فهي سرعان ما تناوشه من جديد ، وتنقض عليه غير مرة .
ويحدث ذلك عند ظهور أول بادرة من بوادر الغفلة أو الغيبة للقلب ، ومثال
هامش
( * ) بتشديد الطاء .
( * * ) بضم التاء وتشديد الفاء وكسرها .
( * * * ) بضم الياء .