ثم قال لي خالى يوما : يا سهل ، من كان اللّه معه ، وهو ناظر إليه ، وشاهده ، أتعصيه ؟ إياك والمعصية .
فكنت أخلو ، فبعثوني « 1 » إلى الكتاب ، فقلت :
إني لأخشى أن يتفرق على همى « 2 » ، ولكن شارطوا المعلم : أنى أذهب إليه ساعة ، فأتعلم ، ثم أرجع .
فمضيت إلى الكتاب ، وحفظت القرآن ، وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين ، وكنت أصوم الدهر ، وقوتى خبز الشعير ، إلى أن بلغت إثنتى عشرة سنة ، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة ، فسألت أهلي أن يبعثونى إلى البصرة أسأل عنها ، فجئت البصرة وسألت علماءها فلم يشف أحد منهم عنى شيئا ! !
فخرجت إلى « عبادان » ، إلى رجل يعرف بأبى حبيب حمزة بن عبد اللّه العبادانى ، فسألته عنها فأجابني . وأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ، ثم رجعت إلى « تستر » فجعلت قوتى اقتصارا على أن يشترى لي بدرهم من الشعير « الفرق » « 3 » فيطحن ويخبز لي ، فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بحتا ، بغير ملح ولا إدام فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة .
ثم عزمت على أن أطوى ثلاث ليال ، ثم أفطر ليلة . ثم خمسا ، ثم سبعا ، ثم خمسا وعشرين ليلة . وكنت عليه « 4 » عشرين سنة ، ثم خرجت أسيح في الأرض سنين ، ثم رجعت إلى « تستر » وكنت أقوم الليل كله .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت إبراهيم بن فراس يقول : سمعت نصر بن أحمد يقول : قال سهل بن عبد اللّه :
كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء ، طاعة كان أو معصية ، فهو عيش النفس « 5 » ، وكل فعل يفعله بالاقتداء فهو عذاب على النفس « 6 » .
هامش
( 1 ) وفي نسخة « فبعثوا بي » .
( 2 ) أي ما أهتم به وهو ذكر ربى مع حضور قلبي في الخلوة .
( 3 ) مكيال يكال به .
( 4 ) وفي نسخة « فكنت عليها » .
( 5 ) أي حظها .
( 6 ) وقال سهل : دخلت الفتنة على العامة من الرخص والتأويلات ، وعلى العارفين من تأخير الحق الواجب إلى وقت آخر .
وقال : من أعظم المعاصي الجهل بالجهل ، والنظر إلى العالمة ، وسماع كلام أهل الغفلة .
وقال : أصول طريقنا سبعة : التمسك بالكتاب ، والاقتداء بالسنة ، وأكل الحلال ، وكف الأذى ، وتجنب المعاصي والتوبة ، وأداء الحقوق .