سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت الحسن ابن علي يقول : سمعت عمى البسطامي يقول : سمعت أبي يقول : سألت أبا يزيد عن ابتدائه وزهده ، فقال :
ليس للزهد منزلة . فقلت : لماذا ؟ فقال : لأنى كنت ثلاثة أيام في الزهد . .
فلما كان اليوم الرابع خرجت منه : اليوم الأول : زهدت في الدنيا وما فيها ، واليوم الثاني : زهدت في الآخرة وما فيها ، واليوم الثالث زهدت فيما سوى اللّه ، فلما كان اليوم الرابع لم يبق لي سوى اللّه . . . فهمت ، فسمعت ، هاتفا يقول :
يا أبا يزيد لا تقوى معنا . فقلت : هذا الذي أريده .
فسمعت قائلا يقول : وجدت ، وجدت .
وقيل لأبى يزيد : ما أشد ما لقيت في سبيل اللّه ؟ فقال : لا يمكن وصفه .
فقيل له : ما أهون ما لقيت نفسك منك ؟
فقال : أما هذا فنعم ، دعوتها إلى شئ من الطاعات فلم تجبنى فمنعتها الماء سنة .
وقال أبو يزيد : منذ ثلاثين سنة أصلى ، واعتقادي في نفسي عند كل صلاة أصليها : كأني مجوسي أريد أن أقطع زنارى « 1 » .
سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت عبد اللّه بن علي يقول : سمعت موسى بن عيسى يقول ، قال لي أبى : قال أبو يزيد : لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتقى « 2 » في الهواء ، فلا تغتروا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى ، وحفظ الحدود ، وأداء الشريعة « 3 » .
وحكى عمى البسطامي عن أبيه أنه قال : ذهب أبو يزيد ليلة إلى الرباط ، ليذكر اللّه ، سبحانه ، على سور الرباط ، فبقى إلى الصباح لم يذكر ، فقلت له في ذلك ، فقال :
تذكرت كلمة جرت على لساني في حال صباى « 4 » ، فاحتشمت أن أذكره سبحانه وتعالى .
هامش
( 1 ) ما يشد به الوسط ، أراد به كدورات الحظوظ والرغبات .
( 2 ) وفي نسخة يرتفع ، وفي أخرى يتربع .
( 3 ) مراده الحث على اتباع الكتاب والسنة وعدم الخروخ عن سننهما ، أو الغرور بمن حاله يخالفهما ، فهو وإن كان صادقا في الحقيقة ، فلا يتابع بحكم الطريقة كما قال العروسى .
( 4 ) فيه أشعار بعدم صدور المخالفات منه بعد التكليف ، وإلا لكان أسرع تذاكرا لها وأكثر معرفة بها .