وقال معاذ بن جبل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لو علمت أنك تسمع « 1 » لحبرته لك تحبيرا » « 2 » « 3 » .
أخبرنا أبو حاتم السجستاني قال : أخبرنا عبد اللّه بن علي السراج قال : حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري الرقى قال : كنت في البادية ، فوافيت قبيلة من قبائل العرب ، وأضافني رجل منهم ، فرأيت غلاما أسود مقيدا هناك . ورأيت جمالا قد ماتت بفناء البيت ، فقال لي الغلام : أنت الليلة ضيف ، وأنت على مولاي كريم ، فتشفع لي ؛ فإنه لا يردك .
فقلت لصاحب البيت : لا آكل طعامك حتى تحل هذا العبد .
فقال : هذا الغلام قد أفقرنى وأتلف مالي .
فقلت : فما فعل ؟
فقال : له صوت طيب ، وكنت أعيش من ظهر هذه الجمال ، فحملها أحمالا ثقيلة ، وحدا لها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في يوم واحد ، فلما حط عنها ماتت كلها ، ولكن قد وهبته لك وحل عنه القيد ، فلما أصبحنا أحببت أن أسمع صوته فسألته عن ذلك ، فأمر الغلام أن يحدو على جمل كان على بئر هناك يستقى عليه فحدا الغلام . . فهام الجمل على وجهه وقطع حباله ، ولم أظن أنى سمعت صوتا أطيب منه ، فوقعت لوجهى . . حتى أشار إليه بالسكوت .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه بن عبد العزيز يقول : سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول : سمعت الجنيد يقول ، وقد سئل : ما بال الإنسان يكون هادئا ، فإذا سمع السماع اضطرب ؟ فقال : إن اللّه تعالى لما خاطب الذر « 4 » في الميثاق الأول بقوله :
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى »
« 5 » استفرغت عذوبة سماع الكلام الأرواح ، فلما سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك .
هامش
( 1 ) أي لقراءتى .
( 2 ) التحبير : التزيين والتحسين .
( 3 ) وروى بنحوه عن أنس أن أبا موسى كان يقرأ القرآن ليلة ونساء النبي صلى اللّه عليه وسلم يستمعن فقيل له ، فقال :
« لو علمت لحبرته تحبيرا ، ولشوقت تشويقا » أخرجه أحمد بن منيع وقال عنه ابن حجر حديث صحيح أنظر المطالب العالية ج 3 ص 287 .
( 4 ) الذر : الأرواح .
( 5 ) أية 172 من سورة الأعراف .