أما أهل الدنيا فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسماء الملوك وأشعار العرب .
وأما أهل الدين فأكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات .
وأما أهل الخصوصية « 1 » فأكثر آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء بالعهود وحفظ الوقت ، وقلة الالتفات إلى الخواطر ، وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب .
وحكى عن سهل بن عبد اللّه أنه قال : من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد اللّه بالإخلاص .
وقيل : كمال الأدب لا يصفو إلا للأنبياء والصديقين .
وقال عبد اللّه بن المبارك : قد أكثر الناس في الأدب ، ونحن نقول : هو معرفة النفس .
وقال الشبلي : الانبساط بالقول مع الحق سبحانه ترك الأدب .
وقال ذو النون المصري : أدب العارف فوق كل أدب ؛ لأن معروفة مؤدب قلبه .
وقال بعضهم : يقول الحق ، سبحانه : من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتى ألزمته الأدب ، ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب ، فاختر أيهما شئت :
الأدب أو العطف .
وقيل : مد ابن عطاء رجله يوما بين أصحابه وقال : ترك الأدب بين أهل الأدب أدب .
ويشهد لهذه الحكاية الخبر الذي روى « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان عنده أبو بكر ، وعمر ، فدخل عثمان فغطى فخذه وقال : ألا أستحى من رجل تستحى منه الملائكة » « 2 » نبه صلى اللّه عليه وسلم : أن حشمة عثمان ، رضى اللّه عنه ، وإن عظمت عنده فالحالة التي بينه وبين أبى بكر وعمر كانت أصفى .
وفي قريب من معناه أنشدوا :
في انقباض وحشمة فإذا * جالست أهل الوفاء والكرم
هامش
( 1 ) وهم العارفون باللّه .
( 2 ) أخرجه الترمذي عن عائشة رضى اللّه عنها .