فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : امرؤ من قريش .
فقال بعض أصحابه من الحاضرين للأعرابى : كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك .
وكان رحمه اللّه يقول : إنما قال امرؤ من قريش غيرة ، وإلا كان واجبا عليه التعرف إلى كل أحد : أنه من هو ؟ . . ثم إن اللّه ؛ سبحانه ، أجرى على لسان ذلك الصحابي التعريف للأعرابى بقوله : كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك . .
ومن الناس من قال : إن الغيرة من صفات أهل البداية ، وإن الموحد لا يشهد الغيرة ، ولا يتصف بالاختيار ، وليس له فيما يجرى في المملكة تحكم ، بل الحق سبحانه ، أولى بالأشياء فيما يقضى على ما يقضى .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت أبا عثمان المغربي يقول : الغيرة عمل المريدين ، فأما أهل الحقائق فلا .
وسمعته يقول : سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول : سمعت الشبلي يقول : الغيرة غيرتان : غيرة البشرية على النفوس ، وغيرة الإلهية على القلوب .
وقال الشبلي أيضا : غيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى اللّه تعالى ، والواجب أن يقال : الغيرة غيرتان :
غيرة الحق ، سبحانه ، على العبد : وهو أن لا يجعله للخلق ، فيضن به عليهم وغيرة العبد للحق ، وهو أن لا يجعل شيئا من أحواله وأنفاسه لغير الحق تعالى فلا يقال : أنا أغار على اللّه تعالى ، ولكن يقال : أنا أغار للّه ، فاذن الغيرة على اللّه تعالى جهل ، وربما تؤدى إلى ترك الدين ؛ والغيرة للّه توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال له .
واعلموا أن من سنة الحق ، تعالى ، مع أوليائه : أنهم إذا ساكنوا غيرا ، أو لاحظوا شيئا ، أو ضاجعوا بقلوبهم شيئا ، شوش عليهم ذلك ، فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه ، فارغة عما ساكنوه أو لا حظوه أو ضاجعوه ، كآدم ، عليه السلام ، لما وطن نفسه على الخلود في الجنة أخرجه منها .
وإبراهيم ، عليه السلام ، لما أعجبه إسماعيل ، عليه السلام ، أمره بذبحه حتى أخرجه من قلبه
« فَلَمَّا أَسْلَما
وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ »
« 1 » وصفا سره منه أمره بالفداء عنه .
هامش
( 1 ) آية 13 من سورة الصافات .