سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول : لما دخل الأعرابي مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبال فيه « 1 » ، وتبادر إليه الصحابة لإخراجه ، قال ، رحمه اللّه ، إنما أساء الأعرابي الأدب ، ولكن الخجل وقع على أصحابه ، والمشقة حصلت لهم حين رأوا من وضع حشمته ، كذلك العبد إذا عرف جلال قدره ، سبحانه يشق عليه سماع ذكر من يذكره بالغفلة ، وطاعة من لا يعبده بالحرمة .
حكى أن أبا بكر الشبلي مات له ابن كان اسمه « أبا الحسن » فجزعت أمه عليه ، وقطعت شعر رأسها ، فدخل الشبلي الحمام وتنور « 2 » بلحيته ، فكل من أتاه معزيا قال : ما هذا يا أبا بكر ؟
فكان يقول : موافقة لأهلى .
فقال له بعضهم : أخبرني يا أبا بكر لم فعلت هذا ؟
فقال : علمت أنهم يعزوننى على الغفلة « 3 » ، ويقولون : آجرك اللّه تعالى ، ففديت ذكرهم للّه تعالى بالغفلة « 4 » بلحيتي .
وسمع النوري رجلا يؤذن ، فقال « 5 » : طعنة وسم الموت ، وسمع كلبا ينبح فقال : لبيك وسعديك . فقيل له : إن هذا ترك للدين . . فإنه يقول للمؤمن في تشهده طعنة وسم الموت ، ويلبى عند نباح الكلاب ، فسئل عن ذلك فقال أما ذلك فكان ذكره للّه على رأس الغفلة ، وأما الكلب فقال تعالى :
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ »
« 6 » .
وأذن الشبلي مرة ، فلما انتهى إلى الشهادتين قال : لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك .
وسمع رجل رجلا يقول : جل اللّه . فقال له : أحب أن تجله عن هذا .
هامش
( 1 ) أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى أعرابيا يبول في المسجد فقال : دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه . وفيما رواه أبو هريرة قال : قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين ، أخرجه البخاري .
( 2 ) أي أنه حلقها .
( 3 ) أي وهم غافلون عن تعظيم اللّه .
( 4 ) أي مع الغفلة .
( 5 ) داعيا عليه .
( 6 ) آية 44 من سورة الإسراء .