باب الإرادة
قال اللّه عز وجل :
« وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ »
« 1 » .
وأخبرنا : علي بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا هشام بن علي قال : حدثنا الحكم بن أسلم قال : أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس رضى اللّه عنه ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا استعمله . فقيل له : كيف يستعمله يا رسول اللّه ؟ قال : يوفقه لعمل صالح قبل الموت » « 2 » .
والإرادة : بدء طريق السالكين ، وهي اسم لأول منزلة القاصدين إلى اللّه تعالى .
وإنما سميت هذه الصفة : إرادة ؛ لأن الإرادة مقدمة كل أمر ، فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله ، فلما كان هذا أول الأمر لمن سلك طريق اللّه عز وجل سمى : إرادة تشبيها بالقصد في الأمور الذي هو مقدمتها .
والمريد ، على موجب الاشتقاق : من له إرادة ، كما أن العالم : من له علم ؛ لأنه من الأسماء المشتقة .
ولكن المريد في عرف هذه الطائفة : من لا إرادة له ، فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا ، كما أن من لا إرادة له ، على موجب الاشتقاق ، لا يكون مريدا .
وتكلم الناس في معنى الإرادة ؛ فكل عبر على حسب ما لاح لقلبه ، فأكتر المشايخ قالوا :
الإرادة : ترك ما عليه العادة وعادة الناس - في الغالب - التعريج « 3 » في أوطان الغفلة ، والركون إلى اتباع الشهوة ، والإخلاد إلى ما دعت إليه المنية « 4 » .
والمريد منسلخ عن هذه الجملة ؛ فصار خروجه امارة ودلالة على صحة
هامش
( 1 ) آية 52 من سورة الأنعام .
( 2 ) حديث صحيح رواه أحمد في مسنده والترمذي وابن حبان والحاكم عن أنس وتمامه ( . . . ثم يقبضه عليه ( وروى نحوه عمرو بن الحمق أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « إذا أراد اللّه بعبد خيرا استعمله قيل وما استعمله ؟ قال يفتح له عملا صالحا بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله ) رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك .
( 3 ) أي الإقامة .
( 4 ) أي المبتغى والمقصود .