ويمكن الجمع بين اللسانين « 1 » ؛ فيقال : بداية الرضا مكتسبة للعبد ، وهي من المقامات ، ونهايته من جملة الأحوال ، وليست بمكتسبة .
وتكلم الناس في الرضا ؛ فكل عبر عن حاله وشربه « 2 » ، فهم في العبارة عنه مختلفون ، كما أنهم في الشرب والنصيب من ذلك متفاوتون .
فأما شرط العلم ، والذي هو لا بد منه : فالراضى باللّه تعالى ، هو : الذي لا يعترض على تقديره .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : ليس الرضا أن لا تحس بالبلاء ، إنما الرضا : أن لا تعترض على الحكم والقضاء .
واعلم أن الواجب على العبد : أن يرضى بالقضاء الذي أمر بالرضا به ؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا به ؛ كالمعاصى ، وفنون محن المسلمين .
وقال المشايخ : الرضا باب اللّه الأعظم . يعنون : أن من أكرم بالرضا فقد لقى بالترحيب الأوفى ، وأكرم بالتقريب الأعلى .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه اللّه ، يقول : أخبرنا أبو جعفر الرازي قال : حدثنا العباس بن حمزة قال : حدثنا ابن أبي الحوارى قال : قال عبد الواحد بن زيد :
الرضا باب اللّه الأعظم ، وجنة الدنيا .
واعلم : أن العبد لا يكاد يرضى عن الحق ، سبحانه ، إلا بعد أن يرضى عنه الحق سبحانه ؛ لأن اللّه عز وجل قال :
« رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » .
« 3 »
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : قال تلميذ لأستاذه : هل يعرف العبد أن اللّه تعالى راض عنه ؟ فقال : لا ، كيف يعلم ذلك . ورضاه غيب ؟ فقال التلميذ : بل يعلم ذلك ، فقال : كيف ؟ . فقال : إذا وجدت قلبي راضيا عن اللّه تعالى ، علمت أنه راض عنى فقال الأستاذ : أحسنت يا غلام .
وقيل : قال موسى عليه السلام : إلهي ، دلني على عمل إذا عملته رضت به عنى . فقال : إنك لا تطيق ذلك . فخر موسى عليه السلام ساجدا له ، متضرعا ، فأوحى اللّه تعالى إليه : يا ابن عمران ، إن رضاى في رضاك بقضائي .
هامش
( 1 ) أي القولين .
( 2 ) أي نصيبه .
( 3 ) آية 8 من سورة البينة .