واتفق المشايخ على أن من كان أكله من الحرام لم يفرق بين الإلهام والوسواس « 1 » .
وسمعت الشيخ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول :
من كان قوته معلوما « 2 » لم يفرق بين الإلهام والوسواس ، وأن من سكنت عنه هواجس نفسه بصدق مجاهدته نطق بيان « 3 » قلبه بحكم مكابدته .
وأجمع الشيوخ على أن النفس لا تصدق ، وأن القلب لا يكذب .
وقال بعض المشايخ : إن نفسك لا تصدق وقلبك لا يكذب ، ولو اجتهدت كل الجهد أن تخاطبك روحك لم تخاطبك .
وفرق الجنيد بين هواجس النفس ووساوس الشيطان : بأن النفس إذا طالبتك بشئ ألحت . . . فلا تزال تعاودك ، ولو بعد حين ، حتى تصل إلى مرادها ، ويحصل مقصودها ، اللهم إلا أن يدوم صدق المجاهدة ، ثم إنها تعاودك وتعاودك .
وأما الشيطان إذا دعاك إلى زلة ، فخالفته بترك ذلك ، يوسوس بزلة أخرى ، لأن جميع المخالفات له سواء ، وإنما يريد أن يكون داعيا أبدا إلى زلة ما ، ولا غرض له في تخصيص واحد دون واحد .
وقد قيل : كل خاطر يكون من المسلك فربما يوافقه صاحبه ، وربما يخالفه .
فأما خاطر يكون من الحق سبحانه ، فلا يحصل خلاف من العبد له .
وتكلم الشيوخ في الخاطر الثاني ، إذا كان الخاطران من الحق سبحانه ، هل هو أقوى من الأول ؟
فقال الجنيد : الخاطر الأول أقوى ، لأنه إذا بقي رجع صاحبه إلى التأمل .
وهذا بشرط العلم ، فترك الأول يضعف الثاني .
وقال ابن عطاء اللّه : الثاني أقوى ، لأنه ازداد قوة بالأول .
وقال أبو عبد اللّه بن خفيف ، من المتأخرين :
هما سواء ، لأن كليهما من الحق ، فلا مزية لأحدهما على الآخر .
والأول لا يبقى في حال وجود الثاني ، لأن الآثار لا يجوز عليها البقاء .
هامش
( 1 ) لأن التمييز بينهما إنما يقع بدقيق النظر في الأحكام وكمال العلم بالحلال والحرام .
( 2 ) أي معينا من جهة ما إذا اطمأن له واعتمد عليه .
( 3 ) وفي نسخة : بيان فقط :