ولا يكون قرب العبد من الحق إلا ببعده عن الخلق . وهذه من صفات القلوب دون أحكام الظواهر والكون .
وقرب الحق سبحانه ، بالعلم ، والقدرة عام للكافة . وباللطف والنصرة خاص بالمؤمنين ، ثم بخصائص التأنيس « 1 » مختص بالأولياء . قال اللّه تعالى :
« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ »
« 2 » ، وقال تعالى :
« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ »
« 3 » ، وقال تعالى :
« وَهُوَ مَعَكُمْ
أَيْنَ ما كُنْتُمْ »
« 4 » وقال :
« ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ »
« 5 » .
ومن تحقق بقرب الحق ، سبحانه وتعالى ، فأدونه « 6 » دوام مراقبته إياه ، لأن عليه رقيب التقوى ، ثم رقيب الحفظ والوفاء ، ثم رقيب الحياء .
وأنشدوا :
كأن رقيبا منك يرعى خواطرى * وآخر يرعى ناظرى ولساني
فما رمقت عيناي بعدك منظرا * يسوؤك إلا قلت قد رفعانى
ولا بدرت من في دونك لفظة * لغيرك إلا قلت قد سمعانى
ولا خطرت في السر بعدك خطرة * لغيرك إلا عرجا بعنانى
وإخوان صدق قد سئمت حديثهم * وأمسكت عنهم ناظرى ولساني
وما الزهد أسلى عنهم غير أنني * وجدتك مشهودا بكل مكان
وكان بعض المشايخ يخصّ واحدا من تلامذته باقباله عليه ، فقال أصحابه له في ذلك ، فدفع إلى كل واحد منهم طيرا ، وقال . اذبحوه بحيث لا يراه أحد .
فمضى كل واحد وذبح الطير بمكان خال . . وجاء هذا الإنسان والطير معه غير مذبوح ؛ فسأله الشيخ ، فقال : أمرتني أن أذبحه بحيث لا يراه أحد ، ولم يكن موضع إلا والحق سبحانه يراه . فقال الشيخ : لهذا أقدّم هذا عليكم ؛ إذ الغالب عليكم حديث الخلق ، وهذا غير غافل عن الحق .
هامش
( 1 ) أي الأنس باللّه .
( 2 ) آية 16 من سورة : ق .
( 3 ) آية 85 من سور الواقعة .
( 4 ) آية 4 من سورة الحديد .
( 5 ) آية 7 من سورة المجادلة .
( 6 ) فأفله .