فأما المصطلم « 1 » عن شاهده ، المستوفى إحساسه بالكلية ، فللبشرية لا محالة حد وإذا بطل عن جملته ونفسه وحسه ، وكذلك عن المكونات بأسرها ، ثم دامت به هذه الغيبة ، فهو محو ، فلا تمكين له إذا ، ولا تلوين ، ولا مقام ، ولا حال .
وما دام بهذا الوصف : فلا تشريف ، ولا تكليف . اللهم إلا أن يرد بما يجرى عليه من غير شئ منه ، فذلك « 2 » متصرف في ظنون الخلق ، مصرف في التحقيق .
قال اللّه تعالى :
« وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً
وَهُمْ رُقُودٌ ، وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ »
« 3 » وباللّه التوفيق .
ومن ذلك :
القرب والبعد
أول رتبة في القرب : القرب من طاعته ، والاتصاف في دوام الأوقات بعبادته .
وأما البعد ، فهو التدنس بمخالفته ، والتجافي عن طاعته .
فأول البعد بعد عن التوفيق ، ثم بعد عن التحقيق ، بل البعد عن التوفيق هو البعد عن التحقيق ، قال صلى اللّه عليه وسلم ، مخبرا عن الحق سبحانه : « ما تقرب إلى المتقربون بمثل أداء ما افترضته عليهم ، ولا يزال العبد بتقرب إلىّ بالنوافل .
حي يحبني وأحبه . فإذا أحببته ، كنت له سمعا وبصرا ، فبى يبصر ، وبي يسمع . .
الخبر . . » « 4 » .
فقرب العبد أولا قرب بايمانه وتصديقه ، ثم قرب باحسانه وتحقيقه .
وقرب الحق سبحانه ، ما يخصه اليوم به من العرفان ، وفي الآخرة ما يكرمه به من الشهود والعيان ، وفيما بين ذلك من وجوه اللطف والامتنان .
هامش
( 1 ) الغائب .
( 2 ) أي العبد .
( 3 ) آية 18 من سورة الكهف .
( 4 ) الحديث بتمامه : قال تعالى في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه البخاري : « من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلى مما افترضته عليه ، ولا يزال يتقرب إلى عبدي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى بها وأن سألني أعطيته ولئن استعاذنى لأعيذنه » .