الأولى لا يقطع طريقا ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ان هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، فان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » « 1 » .
ورأيت جمعا من العامة يرون أن المعرفة أفضل من العمل ، كما فضل بعضهم العمل على المعرفة . وكلاهما على خطأ فيما ذهب إليه . فالعمل ما لم يكن مقترنا بالعلم لا يكون عملا . إذن فما دام العمل يصير عملا بالعلم فكيف يفضل الجاهل العلم على العمل . وقد أخطأ أيضا أولئك الذين فضلوا العلم على العمل فالعلم بلا عمل لا يكون علما . وذلك أن التعلم والحفظ والاستذكار ، كلها من قبيل الأعمال ، ويثاب عليها الانسان . ولو لم يكن علم العالم بفعله وكسبه لما أثيب عليه .
وهناك صنفان ممن يتعاطون العلم .
أولهما : أولئك الذين يتعلمون العلم طلبا للجاه عن الخلق ، ولا طاقة لهم على العمل به ، ولا يبلغون تحقيق العلم فيفضلونه عن العمل ، فلا يتعلمون العلم ولا العمل ، وتسمع الجاهل يقول « لا ينبغي المقال لك ، ينبغي لك الحال » .
وثانيهما : يرى أن العمل يكفى ولا حاجة المعلم . ووى عن إبراهيم بن أدهم أنه رأى حجرا مكتوبا عليه « اقلبنى واقرأ » ففعل ذلك فوجد مكتوبا عليه :
« إذا كنت لا تعمل بما تعلم فلما ذا تطلب علم ما لم تعلم » أي أعمل بما تعلم حتى تعلم ببركته ما لا نعلم .
وقال أنس بن مالك رضى اللّه عنه : « همة العلماء الرعاية وهمة السفهاء الرواية » .
يحسب من الجهال ، وتنتفى عنه صفة العلماء ذلك الذي يطلب بالعلم جاه الدنيا وعزها . فهو ليس بعالم ، ذلك أنه طلب العز والجاه من الجهل ولا درجة هناك فوق مرتبة العلم ، الذي إذا انتفى عن صاحبه لا يعرف شيئا من ألطاف اللّه ، وإذا وجد يكون جديرا بكل المقامات والمشاهدات والمراتب .
هامش
( 1 ) رواه البزار عن جابر . وضعفه السيوطي في الجامع الصغير ج 1 ص 100 ، وصحح ما رواه أحمد عن أنس : ( إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ) وهو كما ترى جزء من الحديث السابق نفس المرجع ج 1 ص 100 .