النفس الناطقة بالنفس الحيوانية ، التي لا نصيب لها من الحياة الربانية ، وجعل حركاته وطبائعه كلها نصيبا للحيوانية ، فلا يعلم شيئا إلا الطعام والنوم ومتابعة الشهوات . وقد عرض اللّه سبحانه وتعالى على أحبابه أمر هؤلاء إذ قال :
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
« 1 » ذلك أن سلطان طبعهم قد أخفى عليهم سر الحق ، وباءوا بالخذلان والحرمان ، بدلا من العناية والتوفيق من الحق . فصاروا جلة متابعين للنفس الأمارة ، وهذا هو الحجاب الأعظم ، ذلك أن اللّه تعالى يقول :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
« 2 » .
والآن سأبدأ بشرح المقامات والحجب تفصيليا ، مفسرا لك أقوال أهل الطريق ، مضيفا إلى ذلك بعض أقوال الشيوخ وأهل الأثر ، فيما رووه خاصا بها ، حتى يتم بذلك مطلوبك ، وحتى يدرك من ينظر في هذا الكتاب من أهل الظاهر وغيرهم أن لطريق الصوفية جذورا راسخة وفروعا مثمرة ، لما منح اللّه شيوخها من بسطة في المعرفة ، حاثين مريديهم على الاستزادة منها ، والصبر على ذلك ولأنهم ما ضعفوا ولا استكانوا ولا تابعوا الهزل واللهو قط ، وما ساروا في طريق اللغو . فقد ألف كثير منهم كتبا ، وبرهنوا بعبارات لطيفة عن الخواطر الربانية . .
هامش
( 1 ) سورة الحجر : آية 3 .
( 2 ) سورة يوسف آية 53 .