49
الفصل السادس في فضائل المحبوب
وأما المحبوب فهو الممتنّ عليه بجميع ما تقدم ذكرنا له من الدواعي والأسباب التي توجب المحبة من الناس لقوله : لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف . فإذا رأيت العبد محبوبا إلى قلوب الناس ، فلإحدى الخصال التي بدأنا بذكرها أو لأكثرها أو لكلها ؛ فعلى كل الأحوال هو محمود الصفات شريف الذات فاعلم .
50 قال صاحب الكتاب : فلم يبق بعد ذلك ما ينكر من جهات المحبة كلها إلا أخلاق بهيمية « 1 » لا تعلق لها بالمحبة باجماع العلماء والفقهاء والفصحاء والعقلاء وأهل المعرفة والمتكلمين والمتفلسفين ؛ وإنما أنكر / من أنكر من الفضلاء وأهل الفضل ذلك وذموها استحقارا لها ، لأنهم علوا « 2 » عن هذه الرتبة إلى رتبة كانت أشرف وأعلى منها فاستحقروا هذه الرتبة بالإضافة إلى تلك لأنها كانت دنيئة مذمومة في نفسها . وسنذكر شرح جميع ذلك وأشباهها في مواضعها إن شاء اللّه تعالى .
51 واعلم أنّا إنّما بدأنا بذكر المحبّة الطبيعية لأنه منها يرتقي أهل المقامات إلى ما هي « 3 » أعلى منها حتّى ينتهى « 4 » إلى المحبّة الإلهية . وقد وجدنا النفوس الحاملة لها إذا لم تتهيأ لقبول المحبة الطبيعية لا تحمل المحبة الإلهية ؛ فإذا هيّئت « 5 » بلطف التركيب وصفاء الجوهر ورقة الطبيعة وأريحية النفس ونورانية الروح قبلت المحبة الطبيعية ثم ارتقت وطلبت كمالها والوصول إلى غايتها والارتقاء إلى معدنها . فنازعت أصحابها وهم المحبون ، فأزعجتهم حتى ترتقي بهم إلى الإلهية درجة درجة ، كلما قربت درجة ازدادت شوقا إلى ما فوقها حتّى تتصل بالغاية القصوى .
52 ولهذا قال رسول اللّه صلعم : لا راحة للمؤمن من دون لقاء اللّه تعالى . وذلك أن راحة كل شئ عند تمامه وتمامه في الاتصال بربه فاعلم .
وسمعت بعض مشايخنا بمكّة يقول : قيل لعمر بن عبد العزيز وهو أمير المؤمنين
هامش
( 1 ) بهيمته .
( 2 ) علو .
( 3 ) كذا في الأصل .
( 4 ) كذا في الأصل
( 5 ) هيئه