( 17 ) وأقلّ من [ 16 آ ] مخالطة أصحاب الدّنيا ، فإنّهم يحملونك على طلبها والاستكثار منها والاستغناء عن اللّه بها وقد نهاك عنها وعرّفك قبحها بقوله :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
الآية ( 57 : 20 ) .
( 18 ) وعليك بصحبة الزهّاد فيها ، الرّاغبين فيما عند اللّه ، التّاركين حظوظهم من الفانية طلب مرضاة اللّه والدّار الآخرة . وقد أخبر عن حال الفريقين بقوله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
( 17 : 18 - 19 ) .
جعل لطالبي الدّنيا على كلّ وجه والمحبّين لها نار جهنّم ، وجعل لطالبي الآخرة السّاعين لها سعيا مشكورا ، وذلك السّعي هو « 1 » حسن الاتّكال « 2 » على اللّه والقيام للّه والرّغبة فيما عنده .
فشكر اللّه سعيهم هو أن أبلغهم أقصى مطالبهم وهو محاورته والنّظر إليه . قال :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
( 54 : 54 - 55 ) ، وقال :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( 75 : 22 - 23 ) .
( 19 ) وتقلّل من الدّنيا مهما أمكنك إلّا مقدار الكفاية ، لأنّ استكثارها يشغلك عن طاعة ربّك . و ( قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ) « يكفيك منها ما سدّ جوعتك ووارى عورتك » . « 3 »
( 20 ) وصل رحمك فإنّ صلة الرحم تزيد في العمر وقطيعتها من الكبائر . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الرّحم شجنة « 4 » من الرّحمن . يقول تعالى : " من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته " » . « 5 »
هامش
باب 57 ، حديث 3819 ؛ حلية الأولياء 3 / 211 . وفي مصادر الإماميّة : الدّعوات 86 ، باب 2 ، فصل في صحّة البدن ، حديث 219 .
( 1 ) . في الأصل : وهو .
( 2 ) . في الأصل : الاتّصال .
( 3 ) . الكامل في ضعفاء الرّجال 3 / 112 ، ذيل الحسن بن عمارة ؛ طبقات المحدّثين بإصبهان 4 / 295 ؛ حلية الأولياء 5 / 249 .
( 4 ) . الشّجنة بكسر الشّين وضمّها عروق الشّجر المشتبكة ، وهنا أنّ الرّحم مشتقّة من الرّحمن . والمعنى أنّها قرابة من اللّه تعالى مشتبكة كاشتباك العروق ( هامش سنن التّرمذي 4 / 324 ، كتاب البرّ والصّلة ، باب 16 ، حديث 1924 ) .
( 5 ) . بهذا اللّفظ في صحيح البخاري 8 / 320 ، كتاب الأدب ، باب من وصل وصله اللّه .