وقال سليمان بن عبد العزيز الراسبي : إلهي ، كيف آنس بمن إذا ذكرتك لم يفرح بك ، لو علمت أن معي جارحة تنكر سروري بك لقطعتها ، فكيف بمن يعاشرنى من الخلق دونك .
وكان ضيغم يقول : عجبت للخليقة كيف أرادت بك بديلا ، وعجبت للخليقة كيف أنست بسواك .
ويقال : علامة الأنس باللّه عزّ وجلّ استلذاذ الخلوة ، وحب المناجاة ، واستفراغ العقل كلّه في مناجاته حتى لا يكاد أن يعقل الدنيا وما فيها .
وعن سرى السقطىّ قال : إلهي عظمتك قطعتني عن مناجاتك ، ومعرفتي بك آنستنى بك .
وعن علىّ بن محمد الصوفي قال : سمعت الشبلي وقد سئل عن الأنس ، قال : وحشتك منك .
وكانت امرأة من المتعبّدات تقول : سبحانك ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله ، وما أوحش الطريق على من لم تكن أنيسه .
وبينا أويس القرني جالس إذ جاءه هرم بن حيان ، فقال له أويس : ما جاء بك ؟ فقال :
جئت لآنس بك ، قال : ما كنت أرى أحدا يعرف ربه ثم يأنس بغيره .
وقال معروف الكرخي : توكل على اللّه عزّ وجلّ يكن أنيسك في موضع شكواك .
وقال الشبلي : ليس من استأنس بالذكر كمن استأنس بالمذكور .
وكان عابد في أيام موسى عليه السلام يستأنس بصوت الطير ، فأنشده من نغمته : عجبا لمن يعرفني أن يستأنس بغيري .
وقيل في قوله عزّ وجلّ :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
« 1 » ، هل جزاء من انقطع عن الأنس بالمخلوقين إلا الأنس باللّه عزّ وجلّ .
وقال محمد بن علي الكتاني : الأنس بالمخلوقين عقوبة ، والقرب من الدّنيا وأبنائها معصية ، والركون إليهم مذلة .
- وسئل سهل بن عبد اللّه عن الأنس ؟ فقال : أن تستأنس الجوارح بالعقل . ويستأنس العقل بالعلم ، وتستأنس الجوارح بالعبد ، ويستأنس العبد باللّه تعالى .
هامش
( 1 ) سورة الرحمن : 60 .