وقال سرى السقطىّ : كنت في طلب صديق لي ثلاثين سنة ، فلم أظفر به ، فمررت في بعض الجبال بأقوام مرضى ، وزمنى ، وعمى ، وبكم ، فسألت عن سبب مقامهم في ذلك الكهف ، فقالوا : يخرج كل سنة من هذا الكهف شيخ يدعو اللّه تعالى ، فيبرئنا اللّه تعالى ببركة دعائه ، قال : فوقفت أنتظره ، فخرج من ذلك الكهف شيخ عليه جبة صوف ، فلمسهم ودعا لهم ، فكانوا يبرءون من علتهم بمشيئة اللّه عزّ وجلّ ، قال : فأخذت ذيله ، فقال : خلّ عنى يا سرى ، لا يراك تأنس بغيره فتسقط من عينه .
وقال رجل للجنيد : علام تتأسف من أوقاتك ؟ قال : على زمان بسط أورث قبضا ، أو زمان أنس أورث وحشة . ثم أنشأ يقول :
قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم * فكدّرته يد الأيام حين صفا
وقال أبو العباس بن مسروق : مررت مع الجنيد في بعض دروب بغداد ومغنّ يغنى :
منازل كنت تهواها وتألفها * أيام كنت على الأيام منصورا
فبكى الجنيد بكاء شديدا وقال : يا أبا العباس ما أطيب منازل الألفة والأنس ، وأوحش مقامات المخالفة والوحشة ، لا أزال أحنّ إلى بدء إرادتي وجدة سعيى وركوبى الأهوال طمعا في الوصول ، وها أنا ذا في أيام الفترة أتأسف على أوقاتي الماضية .
وقال رجل لأبى محمّد الجريري : كنت على بساط الأنس ، وفتح لي طريق إلى البسط ، فزللت زلة فحجبت عن مقامي ، فكيف السبيل إليه ؟ دلني على الوصول إلى ما كنت عليه .
فبكى أبو محمّد الجريري ، وقال : يا أخي أنشدك أبياتا لبعضهم فيها جواب مسألتك ، وأنشأ يقول :
قف بالدّيار فهذه آثارهم * تبكى الأحبة حسرة وتشوقا
كم قد وقفت بها أسائل مخبرا * عن أهلها أو صادقا أو مشفقا
فأجابني داعى الهوى في رسمها * فارقت من تهوى وعزّ الملتقى
وعن أحمد بن أبي الحوارى قال : كانت لرابعة أحوال شتى ، فمرّة غلب عليها الحبّ ، ومرّة غلب عليها الأنس ، ومرّة غلب عليها الخوف ، فسمعتها في حال الحبّ تقول :
حبيب ليس يعدله حبيب * ولا لسواه في قلبي نصيب
حبيب غاب عن بصرى وعيني * وعن قلبي حبيبي لا يغيب