وعلامة التوحش من الخلق الفرار إلى مواطن الخلوة ، والتفرد بعذوبة الذكر ، فعلى قدر ما يدخل القلب من الأنس بذكر اللّه تعالى يخرج منه بقدر ذلك من الأنس بالمخلوقين .
- وسئل الجنيد عن الأنس ، فقال : ارتفاع الحشمة مع وجود الهيبة .
وقال ذو النون : إن كنت تأنس بالخلق فلا تطمع في الأنس باللّه عزّ وجلّ .
وقال رويم : الأنس أن تستوحش من غير اللّه عزّ وجلّ حتى من نفسك .
وقيل لذي النون : ما الأنس باللّه عزّ وجلّ ؟ قال : هو أن تستوحش من الدّنيا ومن الخلق ، إلا من أهل ولايته . فإن الأنس بأهل ولايته هو الأنس باللّه عزّ وجلّ .
وقال ذو النون : إذا قذف بهم في حبس الأنس ، فكأنّهم في الجنة مخاطبون بلسان النور ، وإذا قذف بهم في حبس الهيبة فكأنهم في جهنّم مخاطبون بلسان النار .
وقال أبو الحسن الوراق : لا يكون الأنس باللّه تعالى إلا ومعه التعظيم ، لأنّ كلّ من استأنست به سقط تعظيمه عن قلبك ، إلا اللّه عزّ وجلّ فإنّك لن تزيد به أنسا إلا إذا ازددت له تعظيما وهيبة وإجلالا .
- وسئل رويم عن الأنس ، فقال : سرور القلب بحلاوة الذكر والخطاب .
وقال أيضا : الأنس الخلوة باللّه تعالى عن غيره .
وسئل ذو النون ما علامة الأنس باللّه عزّ وجلّ ؟ فقال : إذا رأيته يؤنسك بخلقه ، فإنه يوحشك من نفسه ، وإذا رأيته يوحشك من خلقه ، فهو يؤنسك بنفسه .
وقيل لبعضهم : متى يذوق العبد حلاوة الأنس ؟ فقال : إذا قطع العلائق ، ورفض الخلائق ، وغاص في الحقائق مطلعا على الدقائق .
وقال ذو النون : أدنى منازل الأنس أن يلقى في النار فلا يغيب همّه عن مأموله .
وقال النوري : الأنس باللّه تعالى من صفاء القلب مع اللّه عزّ وجلّ بالتفرد به .
وقال الشبلي رحمه اللّه : الاستئناس بالناس إفلاس ، وحركة اللسان بغير ذكر اللّه عزّ وجلّ وسواس .
وقيل : انفرد عن الخلق مستأنسا باللّه عزّ وجلّ ، واقطع من قطعك عن اللّه عزّ وجلّ .
وعن أبي بكر الوراق قال : كنت في طريق مكّة فرأيت عجوزا ، فقالت لي : يا فتى من
تهذيب الاسرار في أصول التصوف — صفحة 63
مساهمون: عبد الملك الخركوشي النيسابوري
ص٦٣