وسئل أبو سليمان الدارانى عن علامة المحب ، فقال : أن يكون فارا من الناس كالوحوش « 1 » ، واسمه في قلبه منقوش « 2 » ، وهو بين يدي اللّه تعالى كالهائم المدهوش .
قال وهب بن منبه : مكتوب في التوراة : يا ابن آدم ، حيث طلبتنى وجدتنى ، وأجدك حيث لا أحب ، فلا تظن إني غافل ، وما سترتك فبرحمتى ، يا ابن آدم ، لو أحببتنى وحقي عليك ما عصيتني ، وهل رأيت حبيبا يعصى حبيبه ؟ ! .
عن شفيق البلخي ، قال : خرجت حاجا إلى بيت اللّه الحرام ، فلما توسطت البادية ، رأيت غلاما وهو يمشى على التأنى والتؤدة ، قال : فدنوت منه ، وسلمت عليه ، فرد علىّ السلام ، وأطرق مليا ، فقلت له : حبيبي ، امش مشيا جيدا لعلك تبلغ سريعا ، قال : فالتفت إلىّ ، وقال : يا سبحان اللّه ، ما أكثر تكلفك ، علىّ المشي ، وعليه البلاغ ، قال : فتركته ومضيت ، فلما بلغت مكة ، رأيت شخصا متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول :
رب مكحول بملمول « 3 » الأرق * قلبه وقف بنيران الحرق
عند مولاه يصافى وده * لم يفرقه عن الناس فرق
إن تفكر جعل الفكر له * وبه يفتح فاه إن نطق
قائل طال اشتياقى فمتى * آن للعاشق يلقى من عشق
فدنوت منه ، فإذا هو الغلام الذي تركته في البادية ، قلت له : مه يا غلام ، هذا عن هذا الكلام ، في مثل هذا المقام ، فقال : يا شفيق ، جئت بفضول البادية إلى ها هنا ، دعني وصاحبي ، وأنشأ يقول :
أهيم به حتى الممات حبه * وحولى من الشوق المبرح خندق
وفوقى سحاب ممطر الشوق والهوى * وتحتى بحور للهوى « 4 » تتدفق
فكم مجلس قد عشت فيه بذكره * فما قمت حتى كدت بالدمع أغرق
وروى أن يحيى الموصلي [ كان ] يشتهى أن يرى الشبلي بعد موته في المنام ،
هامش
( 1 ) في الأصل : الوحش ، والتصحيح رعاية لذوق الصوفية في التزام اللحن اللفظي .
( 2 ) أي اسمه المحب ، منقوش في قلبه لا يعلن عنه .
( 3 ) الملمول : الملل الذي يتكحل به .
( 4 ) في الأصل : بحور الهوى ، وهو مخل بالوزن .