[ أقوال في المحبة ]
وقيل : المحبة على ثلاثة : محبة العام ، ومحبة الخاص ، ومحبة خاص الخاص ، فمحبة العام محو القلب عن حب المعصية ، ومحبة الخاص محو القلب عن حب الدنيا ، ومحبة خاص الخاص في سر السر مع حقائق الإيقان . محبة العام في ترك الكبائر ، ومحبة الخاص في التوبة من الكبائر والصغائر ، ومحبة خاص الخاص في التوبة من الخواطر « 1 » .
وعلامة المحبة أن تحب حبيب حبيبك ، وتبغض عدوه « 2 » ، كما قال اللّه تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] .
وروى أن أبا عبد اللّه اشترى جارية ، فلما دخل داره ، قال : قومي وافرشى الثياب ، قالت : ماذا تصنع يا مولاي ؟ قال : أنام ، قالت : ألك مولى ؟ قال : نعم ، قالت :
وينام مولاك ؟ قال : لا ، قالت : أما تستحى أن تنام ومولاك لا ينام ؟ !
وكانت رابعة العدوية تقول :
عجبا للمحب كيف ينام * كل نوم على المحب حرام
وسئل يحيى بن معاذ : ما علامة المحب ؟ قال : إذا عرف فر ، وإذا أوذى صبر ، وإذا ابتلى سرى سير الدهر « 3 » ، عروس القبر ، شريف المحشر .
لأبى سعيد الخراز :
لا تخدعن فللمحب دلائل * ولديه من تحف الحبيب وسائل
منها تنعمه « 4 » بمر بلائه * وسروره في كل ما هو فاعل
فالمنع منه عطية مقبولة « 5 » * والفقر إكرام وبر عاجل
هامش
( 1 ) التوبة من الخواطر ألا يلقى المحب لها بالا ، بل يزهد فيها ، ولا يرويها إلا لتعليم وتربية ، ولا عقوبة على الخاطر الأول ، إذا كان شيطانيا ، وإنما يحاسب العارفون على الخواطر لأنهم حققوا ودققوا ، ومن دق دقق عليه .
( 2 ) ولذلك وجه اللّه تعالى خطابه للمؤمنين قائلا :لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ[ الممتحنة : 1 ] ، وقال :قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى[ الشورى : 23 ] .
( 3 ) السرى السير بالليل ، والدهر يسير سيرا رتيبا لا اختلال فيه ، ولا اضطراب ، فكذلك المحب عند البلاء يسير في حياته اليومية كما كان دون اختلال .
( 4 ) في الأصل : بنعمته .
( 5 ) يرى الصوفية أن المنع عين العطاء ، فما منع اللّه السالك من زينة الدنيا ، إلا ليعطيه الأحوال والمقامات والعلوم .