زي الملائكة مع ذلك الملأ . فأصابها شؤم كفره لتوطئه عليها أيامه في دهره ، مع شركه الذي كان فيه ، والكفر والتكبر ، إذ وصفه اللّه بالكفر ، وهو لباس التوحيد فشهد عليه بالكفر ، وأبطل ما أظهر من دينه بما كان في باطنه وضميره من الحيلة عليه يوم خلقه فقال :
وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ
« 1 » .
فلما جبل آدم من تراب وجه جميع الأرض أسودها وأحمرها ، خبيثها وطيبها ، سهلها وجبلها ؛ امتزج التراب والموطئ والخطى بالأخرى ، فلما جبلها صارت خلقة .
آدم على موطأه وخطاه ، وصار الموطئ أخبث وأردى ، وأظهر شؤما من الخطوة ، وسنصفه في موضعه - إن شاء اللّه - فصارت تلك التربة جوهر خلقة النفس نفس آدم ؛ إذ جبله عليها ومنها ، وصارت أس النفس وقاعدتها .
فلما فرع منه وضعه تحت العرش فمر عليه إبليس ، وهو في زي الملائكة .
فقال لهم : أرأيتم إن أمركم اللّه له بأمرأ فتطيعونه .
فقالوا : نعم ؛ قال : فأما أنا فلا أطيعه .
وذلك أنه نظر في أصل خلقته ؛ فعرف أنه خلق من التراب فتهاون به .
وقال : إن أمرني أن أطيعه فلا أطيعه ، وإن هو لم يطعني استفرغت الجهود في استطاعته ، ونصبته الحرب بيني وبينه .
فقالت له الملائكة : ولم تفعل ذلك ؟
قال : لأنه خلق من تراب موضع قدمي ، وموطني ، وخطوى وممشاي ، فلى فيه وجهان :
أما أحدهما : فهل يسجد الأب لابنه ، والسيد لعبده ، فإنه منى بمنزلة الابن
هامش
( 1 ) سورة البقرة : آية 34 .
ونص الآية الكريمةوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ .