يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
« 1 » .
إنما قال المطمئنة لأن النفس الباطنة إذا قمعت ، وسجنت ، ووقى شحها ؛ ضعفت ، وخمدت نيرانها ، وسكنت الظاهرة ، واطمأنت من اقتارها ، ووقعت في راحة .
ألا ترى إلى قول اللّه عز وجل
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
« 2 » فهاتان النفسان ظاهرة ، وباطنة كما وصفناه من شأنهما وهما مرتبتان عظيمتان ، وبينهما تفاوت وتفاضل .
وهما خارجتان من تلك الحيطان كلها ، والخنادق التي وصفنا وفيه أشياء ما لا يقدر وصفه مخافة طول الكتاب .
باب صفة النفس الباطنة :
فأما النفس الباطنة فإن جوهرها من أخس التراب ، وأدناها وأخشنها ، وذلك أنها من موضع موطئ إبليس ومرتكضه « 3 » ومتخطاه وممشاه ؛ إذ كان فيها ملكا ورئيسا بقي الأرض « 4 » في
هامش
( 1 ) سورة الفجر الآيتان 27 - 29 .
والنفس المطمئنة هي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق ؛ فيقال لهايا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِأي إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنتهراضِيَةًأي في نفسهامَرْضِيَّةًأي قد رضيت عن اللّه ، ورضى عنها ، وأرضاهافَادْخُلِي فِي عِبادِيأي في جملتهموَادْخُلِي جَنَّتِيوهذا يقال لها عند الاحتضار ، وفي يوم القيامة أيضا ، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره ، وعند قيامه من قبره .
( 2 ) سورة الحشر : الآية 9 .
( 3 ) الركض : من ركض ركضا ، وركضه : ضرب برجله ، وفي التنزيل الحكيمارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌسورة ص آية 42 .
( 4 ) بقي الأرض لعل المراد به البقاء والثبوت ، وهذا ما ينسجم مع السياق ، ومع المعنى اللغوي للكلمة .