تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أخبار الحلاج أو مناجيات الحلاج — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
التي طلب الحلاج رفعها تصرف الاغيار في دمه ، ولذلك قال السلف : الحلاج نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الانيّة بالمعنى فرفعت له صورة . . . فأجاب ابن تميية ما نصه ( هناك ص 82 ) : « . . . واما قوله « بيني وبينك انىّ تزاحمنى فارفع بحقك انبى من البين » فان هذا الكلام يفسر بمعان ثلاثة يقوله الزنديق ويقوله الصديق ، فالاوّل مراده به طلب رفع ثبوت انّيته حتى يقال إن وجوده هو وجود الحقّ وانيته هي انّية الحقّ فلا يقال إنه غير اللّه ولا سوى ، ولهذا قال سلف هؤلاء الملاحدة إن الحلاج نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الانية بالمعنى فرفعت له صورة فقتل . وهذا القول مع ما فيه من الكفر والالحاد فهو متناقض ينقض بعضه بعضا ، فان قوله « بيني وبينك انىّ تزاحمنى » خطاب لغيره واثبات انية بينه وبين ربّه وهذا إثبات أمور ثلاثة ولذلك يقول « فارفع بحقك انبى من البين » طلبا من غيره ان يرفع انيته . وهذا المعنى الباطل هو الفناء الفاسد وهو الفناء عن وجود السوى فان هذا فيه طلب رفع الانية وهو طلب الفناء ، والفناء ثلاثة أقسام : فناء عن وجود السوى وفناء عن شهود السوى وفناء عن عبادة السوى . فالاوّل هو فناء أهل الوحدة الملاحدة كما فسروا به كلام الحلاج وهو ان يجعل الوجود وجودا واحدا . واما الثاني وهو الفناء عن شهود السوى فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين كما يحكى عن أبي يزيد وأمثاله وهو مقام الاصطلام وهو ان يغيب بموجوده عن وجوده وبمعبوده عن عبادته وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل . وهذا كما يحكى ان رجلا كان يحبّ آخر فالقى المحبوب نفسه في الماء فالقى المحبّ نفسه خلفه فقال : انا وقعت فلم وقعت أنت . فقال غبت بك عنى فظننت انك انى . فهذا حال من عجز عن شئ من المخلوقات إذا شهد قلبه وجود الخالق وهو امر يعرض لطائفة من السالكين . ومن الناس من بجعل هذا من السلوك ومنهم من يجعله غاية السلوك حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية فلا يفرقون بين المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه ، وهذا غلط عظيم غلطوا فيه بشهود القدر واحكام الربوبية عن شهود الشرع والامر والنهى وعبادة اللّه وحده وطاعة رسوله . فمن طلب رفع انيّته بهذا الاعتبار لم يكن محمودا على هذا ولكن قد يكون معذورا . واما النوع الثالث وهو الفناء عن عبادة السوى فهذا حال النبيين واتباعهم وهو ان يفنى بعبادة اللّه عن عبادة ما سواه