وقال : إن اللّه عبادا يرون ما وراءهم من الأشياء ، يرون أحوال الدنيا بلحظات قلوبهم ، وأحوال الآخرة بخطرات سرهم ، وأحوال ما عند اللّه بإشارات خفيهم « 1 » .
وقال الجنيد : تقصير المحبين بلحظة يقع الأوقات « 2 » ، وذلك فضل اللّه عليهم ليزيد في خوفهم واضطرارهم وفقرهم . وتصير « 3 » العارفين بخطرات سرهم ، وذلك تنبيه من اللّه لهم لكي لا يأمنوا من مكر اللّه ، لأن المكر يظهر في هذا المقام . وتصير « 4 » الموحدين بالإشارات الخفي ، وذلك بشارة من اللّه لهم لكي يسكنوا به ، لأن ذلك مقام النفي ، والنفي هلاك البدن ، ويزيد بإشارتهم قوة .
وقال الجنيد : اللحظة كفران ، والخطرة إيمان ، والإشارة غفران .
باب صفة المكر « 5 »
قال الجنيد : في قوله تعالى :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
[ النمل : 50 ] ، قال : في طريق اللّه عز وجلّ ألف قصر ، في كل قصر ألف قاطع من قطاع الطريق سلطوا « 6 » على المريد السالك ، ومع كل واحد موكل غدر ومكر خلاف الآخر ، فإذا جاء
هامش
( 1 ) قال الشيخ الديلمي : قوله : ( عبادا ) أراد به نفوسهم وذواتهم ، وقوله : ( يرون أحوال الدنيا بلحظات قلوبهم ) هذا إذا كان لصاحب القلب نظر قوي سمى النظرة بالقلب هنا لحظة ، فقال يرون بلحظات قلوبهم ، وحيث قال : اللحظ كلام القلب علمنا أنه أراد به أنواع التصرفات للقلب والنظر إلى المرائي الضامن جلها كالكلام ، وقوله : ( يرون ) معني بالرؤية فيما يرى ، والعلم بما لا يرى مثلا : يرى رجلا جاء من سفره أو يراه محبوسا في موضع أو يراه رابحا أو خاسرا ، وهذا يكون خيرا وعافية ، والآخر يكون شرا وما أشبه ذلك وأن هؤلاء هم أصحاب الفراسات والبصائر الباطنة في الغيوب . . . شرح الأنفاس ( 58 / ق / أ ) .
( 2 ) في شرح الأنفاس ( 62 / ق / أ ) يقع بالآفات .
( 3 ) في شرح الأنفاس ( 62 / ق / أ ) تقصير .
( 4 ) في شرح الأنفاس ( 62 / ق / أ ) تقصير .
( 5 ) المكر : إرداف النعم الباطنة والظاهر مع المخالفة وإبقاء الحال .
ونتائجها من المكرمات والعلوم مع سوء الأدب ، وإظهار الآيات من خرق العوائد ، والكرامات من غير أمر ، وإذن إلهي يترتب عليه مصالح الكون ، ونظام أموره ، ومن غير حد تقف دونه ولا تتجاوز عنه . .
( 6 ) في شرح الأنفاس ( 67 / ق / ب ) موكل .