[ كتب الإمام الجنيد ]
كتاب السرّ في أنفاس الصوفية
من كلام سلطان الحقيقة وملك الطريقة أبو القاسم الجنيد نور اللّه ضريحه .
باب صفة الأنفاس
قال أبو القاسم الجنيد بن محمد رحمة اللّه عليه : الحمد للّه الذي بذكره نفتتح الكلام ، وبحمده خاتمة التمام ، وبتوفيقه السداد ، وفي طاعته الرشاد . وصلى اللّه على المختار ، وعلى آله الطيبين الأخيار .
إن اللّه خلق القلوب وجعل داخلها سره ، وخلق الأنفاس وجعل مخرجها من داخل القلب بين سر وقلب ، ووضع معرفته في القلب ، وتوحيده في السر ، فما من نفس يخرج إلا بإشارة التوحيد على دلالة المعرفة في بساط الاضطرار إلى الربوبية ، وكل نفس خلاف هذا ، فهو ميت وصاحبه مسؤول عنه « 1 » .
وقال : النفس ريح اللّه سلط على نار اللّه ، التي في داخل القلب .
وقال : النفس هتف النور .
وقال : أصل النفس من خمسة : من نار ، أو من نور ، أو على نور ، أو على ظلمة ، أو من الظلمة ، أو من نار النور « 2 » .
وقال : ما عبد اللّه أحد بمثل ما عبد بالأنفاس ، وما عصى اللّه أحد بمثل ما عصى بالأنفاس .
هامش
( 1 ) قال الشيخ الديلمي : واعلم أنه أراد بالسر الروح الأقرب الذي هو قلب السر الذي نسميه خفيا ، وإنما حملناه على ذلك لأنه أضافه إلى اللّه تعالى بقوله : ( . . . وجعل داخلها سره ) أي : سر اللّه تعالى ، والروح الأقرب هو الأخص باللّه تعالى وبأسراره تبارك وتعالى . . ولأنه هو الموحد الذي يقوم فيه توحيد اللّه تعالى في عالم الفناء عند فناء كل ما سواه ، وقوله : ( وجعل مخرجها من داخل القلب من السر والقلب ) فقد جعل مخرجها في السر الأدنى لأنه هو الروح الذي من القلب والخفي ، فالخفي فوقه ، والقلب دونه هو محله ، فكأن ممر الأنفاس الخاصة التي أرادها الجنيد على ذلك الروح الذي يسمونه السر الأدنى ، وقوله : ( وجعل مخرجها من داخل القلب صحيح لأن جميع هذه الأرواح من داخل القلب ، وقوله : ( ووضع معرفته في قلبه ) يعني به معرفة اللّه تعالى . . . شرح الأنفاس ( 39 / ق / ب ) .
( 2 ) قال الديلمي : يعني النفس الصالح الذي كون ما يتنفس به المريد هو الذي ينشأ من هذه الأصول الخمسة ، وما عداه فباطل ، وصاحبه مسؤول عنه . . . شرح الأنفاس الروحانية ( 40 / ق / أ ) .