وقال أيضا : المكر طلب الشيء والسكون إلى غيره .
* * *
باب في صفة المشاهدة « 1 »
قال الجنيد : المشاهدة ثلاثة : مشاهدة الرب ، ومشاهدة من الرب ، ومشاهدة بالرب « 2 » .
وقال : المشاهدة معاينة للسر مع فقدانك .
وقال : المشاهدة إقامة العبودية بإزاء الربوبية ، مع فقدان ما دونه .
وقال الجنيد : من لم يعابن صفات اللّه أجمع دقايقه ولطائفه ، لم يوحد اللّه ، ولم يعرفه .
فالطريق من داخل المعرفة .
وقال الجنيد : إن للّه تسعة وتسعون اسما ، فمن أقربها فهو المسلم ، ومن عرفها فهو المؤمن ، ومن عامل اللّه بها فهو العارف ، ومن عامل بها ولم يسكن إليها وطلب المسمى فهو الموحد ، وله المشاهدة .
وقال : رأيت الغدا بعين الوجه مع التحير الذي رأيته اليوم بعين السر مع الحيرة .
وقال الجنيد : من كان أبعد فرؤيته أخفى ، غدا رؤية الوجه ، لأنه لا حجاب بين العباد وبين السيد ، واليوم رؤية السر لأن الحجاب قائم ، ورأى محمد صلى اللّه عليه وسلّم بفؤاده ، لأن الحجب كانت هناك حجابان .
هامش
( 1 ) المشاهدة : تطلق على رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ، فإن لكل شيء أحدية بها يمتاز عن غيره .
وهي عين الدليل على أحدية الحق ، وتطلق بإزاء رؤية الحق في الأشياء . وذلك هو الوجه الذي له تعالى بحسب ظاهريته في كل شيء ، ولما كانت رؤية الحق في الأشياء من أحلى المشاهدات وأتمها ، فإنها تعطي حقيقة اليقين من غير شك . ولذلك قال قدّس سرّه : « وتطلق بإزاء حقيقة اليقين من غير شك » .
هذا إن لم تكن المشاهدة في حضرة المثال ، كالتجلي الإلهي في الأجل لأهل العقائد المقيدة ، حيث الإنكار حتى يتحول لهم في علامة يعرفونها فيقرون بها . والمتجلي في الحقيقة عين المنكور والمعروف ، فهم ما أقروا إلا بالعلامة ، لا به ، فافهم .
( 2 ) قال الشيخ الديلمي في شرح الأنفاس ( 81 / ق / أ ) : يعني بالمشاهدة بالرب مشاهدة اضطرار أي يشاهد اللّه شاء أم أبى ، لا اختيار له في مشاهدته ، أما المشاهدة من الرب مشاهدة اختيارية يشاهد الحق متى شاء بعونه وتوفيقه . . أما مشاهدة الرب هي مشاهد الرب عند الفناء وهذا مذهب المشايخ . .