قال الجنيد : كل محبة كانت لغرض إذا زال الغرض زالت تلك المحبة « 1 » .
قال الجنيد : سمعت السريّ يقول : لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر : يا أنا « 2 » .
قال الجنيد : سمعت الحارث المحاسبي يقول : المحبة ميلك إلى الشيء بكليتك ، ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ، ثم موافقتك له سرّا وجهرا ، ثم علمك بتقصيرك في حبّه « 3 » .
قال أبو بكر الكتاني : جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم ، فتكلم الشيوخ فيها ، وكان الجنيد أصغرهم سنّا ، فقالوا له : هات ما عندك يا عراقي ، فأطرق رأسه ، وجمعت عيناه ، ثم قال : عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربّه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرق قلبه أنوار هويته ، وصفا شربه من كأس وده ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه ، فإن تكلم فباللّه ، وإن نطق فعن اللّه ، وإن تحرك فبأمر اللّه ، وإن سكن فمع اللّه ، فهو باللّه ، وللّه ، ومع اللّه ، فبكى الشيوخ ، وقالوا : ما على هذا مزيد ، جبرك اللّه يا تاج العارفين « 4 » .
قال الجنيد : سمعت الحارث المحاسبي يقول : المحبة نار في القلب تحرق ما سوى مراد المحبوب « 5 » .
قال الجنيد : ادّعى قوم محبة اللّه ، فأنزل اللّه آية المحبة :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 6 » .
وسأل جماعة من المشايخ الجنيد رضي اللّه عنه عن المحبة ؟ فبكى ، وقال : كيف أصف عبدا ذاهبا عن نفسه ، متصلا بذكر ربّه ، قائما بأداء حقوقه ، ناظرا إليه بعين قلبه ، قد أحرق قلبه نار
هامش
( 1 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 619 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 618 ) .
( 3 ) انظر : روضة المحبين لابن قيم ( ص 408 ) .
( 4 ) انظر : نشر المحاسن ( ص 61 ) ، وعقب الشيخ ابن عجيبة بقوله : فهذه صفات العارف الحقيقي الراسخ المتمكن قد كلّ لسانه عن التعبير ، واستغنى عن الإشارة والمشير ، فإذا صدرت منه إشارة أو تعبير ، فإنما ذلك لفيضان وجد أو هداية فقير ، وقد صدرت إشارات من المتمكنين ، فتحمل على هذا القصد . وانظر : الإيقاظ ( 2 / 92 ) .
( 5 ) انظر : مدارج السالكين ( 3 / 366 ) .
( 6 ) انظر : طريق الهجرتين لابن القيم ( 451 ) .