تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الجنيد سيد الطائفتين — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
قال رجل للجنيد : على ما ذا يتأسف المحب من أوقاته ؟ قال : على زمان بسط أورث قبضا ، أو زمان أنس أورث وحشة ، ثم أنشأ يقول « 1 » :
قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم * فكدرته يد الأيام حين صفا
قال الجنيد رحمه اللّه : قالت النار : يا ربّ ، لو لم أطعك هل كنت تعذّبني بشيء هو أشد مني ؟ قال اللّه : نعم ، كنت أسلط عليك ناري الكبرى . قالت : وهل نار أعظم منّي وأشد ؟ قال : نعم ، نار محبّتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين « 2 » . وقال أيضا : جاء رجل إلى السريّ ، فقال له : كيف أنت ؟ فأنشأ يقول :
من لم يبت والحب حشو فؤاده * لم يدرك كيف تفتت الأكباد « 3 »
قال الجنيد : سمعت السريّ يقول : مكتوب في بعض الكتب التي أنزلها اللّه تعالى : « إذا كان الغالب على عبدي ذكرى عشقني وعشقته « 4 » » . قال الجنيد : علامة كمال الحب دوام ذكره : أي ذكر المحبوب في القلب بالفرح والسرور ، والشوق إليه ، والأنس به ، وأثرة محبة نفسه ، والرضا بكل ما يصنع « 5 » . وعلامة أنسه باللّه استلذاذ الخلوة ، وحلاوة المناجاة ، واستفراغ كله ، حتى لا يكاد يعقل الدنيا وما فيها ، ولا يحمل هذا على الأنس بالخلق ، فيرتب على مدارج المعقول كما لا يحمل المحبة على محبة الخلق ، فيكون بمعاني العقول ؛ لأنه حال منها ، وإنما هو طمأنينة وسكون إليه ، ووجد حلاوة منه واستراحة ، وروح بما أوجدهم ، وقد أنكر الأنس من لا
هامش
( 1 ) انظر : الحلية ( 10 / 279 ) ، وطبقات الصوفية ( ص 163 ) ، وطبقات الأولياء ( ص 129 ) . ( 2 ) قال ابن رجب الحنبلي : ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة » وانظر : جامع العلوم والحكم ( ص 212 ) ، وكلمة الإخلاص ( ص 42 ) . ( 3 ) انظر : روضة الحبور ( ص 126 ) . ( 4 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 470 ) . ( 5 ) انظر : قوت القلوب لأبي طالب ( 2 / 126 ) . وقال : ومن ذهب إلى هذا القول أحمد بن غالب ، غلام خليل ، فقد أنكر على الجنيد وأبي سعيد الخراز والثوري كلامهم في المحبة ، وليس هذا مذهب السلف ، ولا طريقة العارفين .