الخلق نزعت من قلوبهم الرحمة عليه ، وألبس لباس الطمع فيهم ، فتصير حياته عجزا ، وموته كمدا ، وآخرته أسفا ، نعوذ باللّه من الركون لغيره « 1 » .
قيل للجنيد : العارف يزني يا أبا القاسم ؟ فأطرق مليّا ، ثم رفع رأسه ، وقال :
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً
[ الأحزاب : 38 ] « 2 » .
وقال الجنيد : إن اللّه سبحانه سنّ سنة أزلية ألا يجد السبيل إليه إلا من قيّد له أستاذا عارفا يكون واسطة بينه وبين اللّه ، وإن كان الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء بغير علة ولا سبب « 3 » .
قال الجنيد : تنتهي عبادة أهل المعرفة إلى الظفر بنفوسهم « 4 » .
حكي عن الجنيد قدّس اللّه روحه أنه قال : كل الخلق يركضون فإذا بلغوا ميدان أبي يزيد هملجوا « 5 » .
باب المحبة والعشق
قال الجنيد : الناس في محبة اللّه عز وجلّ عامّ وخاصّ ، فالعوام أحبوه لكثرة نعمه ، ودوام إحسانه ، إلا أن محبتهم تقلّ وتكثر ، وأما الخواص فأحبوه لما عرفوا من صفاته ، وأسمائه الحسنى ، واستحق المحبة عندهم ؛ لأنه أهل لها ، ولو أزال عنهم جميع النعم « 6 » .
سئل الجنيد رحمه اللّه عن المحبة ؟ فقال : دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب « 7 » .
قال الجنيد : المحبة ميل القلوب « 8 » .
قال الجنيد : المحبة إفراط الميل بلا نيل « 9 » .
هامش
( 1 ) انظر : الحبور لابن الأطعاني ( ص 125 ) ، والكواكب للمناوي ( 1 / 573 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 655 ) ، والبستان للنووي ( ص 58 ) .
( 3 ) انظر : جلاء القلوب ( 2 / 367 ) بتحقيقنا .
( 4 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 578 ) .
( 5 ) انظر : روضة الحبور ( ص 30 ) بتحقيقنا .
( 6 ) انظر : روض الرياحين لليافعي ( ص 231 ) .
( 7 ) انظر : نشر المحاسن لليافعي ( ص 187 ) ، واللمع للطوسي ( ص 88 ) .
( 8 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 130 ) .
( 9 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 617 ) .