قال رجل للجنيد : قد عز في هذا الزمان أخ في اللّه تعالى ، قال : فسكت عنه ، ثم أعاد ذلك ، فقال له الجنيد : إذا أردت أخا في اللّه عز وجلّ يكفيك مؤنتك ويتحمل أذاك فهذا لعمري قليل ، وإن أردت أخا في اللّه تتحمل أنت مؤنته وتصبر على أذاه فعندي جماعة أدلّك عليهم إن أحببت « 1 » .
قال الجنيد : صحبت قوما بالبصرة ، فأكرموني ، فقلت يوما مرة : أين إزاري ؟ فسقطت من أعينهم « 2 » .
قال الجنيد : ما تواخى اثنان في اللّه فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتشم إلا لعلة في أحدهما « 3 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : إذا كان لك صديق فلا تسؤه فيك بما يكرهه « 4 » .
قال الجنيد : مؤاكلة الإخوان رضاع ؛ فانظروا من تواكلون « 5 » .
وقال عبد الرحمن بن إسماعيل : كنت ببغداد ووافى لي الحاج من خراسان ، فلقيني بعض أصحابنا الذين عاشرناهم ممن له فضل وأفضال على هذه الطائفة ، فسألني أن أعرّفه جماعة ليصلهم بشيء قد حمله معه برسمهم ، فقلت له : ابدأ بأبي القاسم الجنيد . فحمل إليه دراهم كثيرة وثيابا كثيرة ، فلما رآه الجنيد أعجبه أدبه في رفقته ، فقال له : اجعل بعضه للفقراء أذكرهم لك . فقال له الخراساني : أنا أعرف الفقراء أيها الشيخ . فقال الجنيد : أنا أأمل أن أعيش حتى آكل هذا ؟ قال : إني لم أقل لك أنفقه في الخل والبقل والكامخ والجبن والملح ، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوات ، وكلما كان أسرع فهو أحبّ عليّ .
فتبسم الجنيد ، وقال له : مثلك لا يحل أن يرد عليه . فقبل ذلك منه ، فقال الخراساني : ما أعلم ببغداد أعظم منّة عليّ منك . فقال الجنيد : ولا يبقى لأحد أن يرتفق إلا ممن كان مثلك « 6 » .
هامش
( 1 ) انظر : العوارف ( ص 252 ) ، والإحياء ( 2 / 189 ) .
( 2 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 583 ) .
( 3 ) انظر : القوت ( 2 / 467 ) ، والإحياء ( 2 / 189 ) .
( 4 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 279 ) .
( 5 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 578 ) .
( 6 ) انظر : روضة الحبور ( ص 116 ) بتحقيقنا .