قال الجنيد قدّس سرّه : جزى اللّه تعالى إخواننا عنّا خيرا ؛ ردّونا بجفائهم إلى اللّه تعالى ، وقاتلوا أنفسهم فيّ ، وهي أعدى أعدائهم ، وقتلوا بسيف الفناء « 1 » .
باب التوحيد
سئل الجنيد عن التوحيد ؟ فقال : إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته بأنه الواحد ، الذي لم يلد ولم يولد ، بنفي الأضداد ، والأنداد ، والأشباه ، بلا تشبيه ، ولا تكييف ، ولا تصوير ، ولا تمثيل ، فاللّه الإله الواحد الفرد الصمد :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] « 2 » .
قال الجنيد : علم التوحيد طوي بساطه منذ عشرين سنة ، والناس يتكلمون في حواشيه « 3 » .
قال الجنيد : التوحيد الذي انفرد به الصوفية هو إفراد القدم عن الحدوث ، والخروج عن الأوطان ، وقطع المحاب ، وترك ما علم وجهل ، وأن يكون الحق سبحانه مكان الجميع « 4 » .
سئل الجنيد عن توحيد الخاص ؟ فقال : أن يكون العبد شبحا بين يدي اللّه سبحانه ، تجري عليه تصاريف تدبيره ، في مجاري أحكام قدرته ، في لجج بحار توحيده ، بالفناء عن نفسه وعن دعوة الخلق له ، وعن استجابته بحقائق وجوده ووحدانيته ، في حقيقة قربه ، بذهاب حسّه وحركته ، لقيام الحق سبحانه له فيما أراد منه ، وهو أن يرجع آخر العبد إلى أوله ، فيكون كما كان قبل أن يكون « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر : روح المعاني ( 4 / 174 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 2 / 583 ) ، واللمع ( ص 49 ) ، والحبور ( ص 121 ) ، والمواعظ والنكات والإشارات من خلصة الحقائق للفاريابي ( ص 94 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 586 ) ، وطبقات الشعراني ( 1 / 85 ) .
( 4 ) قال أبو المعين النسفي : قول الجنيد قدس اللّه سره في التوحيد إفراد القدم من الحدوث ، إذ لا يخطر ببالك إلا حادث ، فإفراد القدم أن لا يحكم على اللّه بمشابهة شيء من الموجودات لا في الذات ولا في الصفات ، فإن ذاته لا تشبه الذوات ولا صفاته قال تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُوانظر : التمهيد لقواعد التوحيد ( ص 93 ) بتحقيقنا ، والرسالة القشيرية ( 2 / 586 ) ، والطبقات الكبرى للشعراني ( 1 / 85 ) ، والكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 575 ) ، وكشف المحجوب للهجويري ( ص 521 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 2 / 584 ) ، واللمع ( ص 49 ) ، وطبقات الشعراني ( 1 / 85 ) .